التفاصيل

المدرسة المعرفية في علم النفس

2021/04/07   الكاتب :د. ريم الأنصاري
عدد المشاهدات(67)
المدرسة المعرفية في علم النفس

المدرسة المعرفية في علم النفس

 

يتميز الإنسان على غيره من الكائنات والمخلوقات بنشاطه المعرفي وقدرته على الفهم والتفكير والتحليل والاستنتاج، وقد سعى البشر منذ القديم إلى فهم هذا النشاط المعرفي وتفسير هذه العمليات المعرفية والعقلية المختلفة كالتعلم والإدراك والانتباه والتخيل والتذكر وغيرهم، وأنت الآن حين تقرأ هذا تسعى كذلك إلى إدراك أفضل للعمليات المعرفية، كما تقوم في الوقت نفسه بهذه العمليات المعرفية والعقلية بشكل لا واعي، لذلك فقد نشأ علم النفس المعرفي للبحث حول النشاط المعرفي البشري، ودراسة العقل الإنساني وعملياته المعرفية والعقلية ووظائفه المعقدة، ونحن في هذا المقال سنسعى إلى توضيح تاريخ علم النفس المعرفي بالإضافة إلى مفهوم المدرسة المعرفية والأسس والمبادئ التي تستند عليها المدرسة المعرفية في علم النفس.

نظرة موجزة على تاريخ البحث في المعرفة

منذ عصر فلاسفة اليونان، كانت المعرفة واحدة من أهم القضايا التي شغلت الفلاسفة وعلى رأسهم أفلاطون، والذي كان من أول من تحدث عن نظرية النسخ، والتي تشير إلى أن المخ عبارة عن طبقية شمعية تلتصق عليها المعلومات، وكلما بقيت المعلومات فترة أطول على ذلك المخ الشمعي كلما كان تذكر تلك المعلومات واسترجاعها يتم على نحو أفضل. أما في العصور الوسطى فقد واصل علماء المسلمين الاهتمام بقضايا العلم والمعرفة ومن أهم من بحثوا تلك القضايا: أبو جعفر الجزار الذي كتب عن فقدان الذاكرة وأسبابها، وكذلك إسحاق بن حنين الذي كتب رسالته الشافية في علاج النسيان، أما الطبيب المشهور أبو بكر الرازي، فقد استخدم طريقة الإيحاء للحصول على المعلومات وتنشيط الذاكرة وقد اشتهر بأساليبه المعروفة في العلاج النفسي، كما كان ابن سينا بالتفريق بين الروح والنفس والعقل والقلب، وكان اهتمام الغزالي متوجها بالأساس إلى طرائق التعلم وأساليبه، يرى ذلك جليا من طالع كتبه خاصة موسوعته الشهيرة إحياء علوم الدين. وفي عصر النهضة وما بعدها ازدهرت علوم المعرفة على فلاسفة أوروبا الذين سعوا إلى إدراك حقيقة المعرفة ووسائلها ومصادرها وحدودها من أمثال: رينيه ديكارت وجون لوك وديفيد هيوم وتوماس هوبز وإيمانويل كانت وغيره. وحديثا اعتبر كوهلر وكوفكا ممثلا الاتجاه الجشتالي من أهم الأعمدة التي قامت عليها المدرسة المعرفية في علم النفس، حيث قاموا بتقديم نظرية سموها "قوانين الإدراك" والتي تضمنت قوانين مثل: قانون التشابه والتقارب والاستمرارية والإغلاق، وقد ساهمت تلك النظرية في تفسير حدوث الإدراك. ويعتبر العالم السويسري جون ببياجيه من هم أهم ممثلي المدرسة المعرفية في علم النفس ويعد هو الرائد الأول لهذه المدرسة، وذلك بفضل تقديمه نظريته "المعرفية النمائية" والتي اهتم فيها بنمو التفكير عند الأطفال خلال المراحل العمرية المختلفة، فقد تنبه بياجيه إلي أن التنظيمات المتشابهة في تطور الأطفال خاصة في مجال تطور التفكير عندهم، حيث يمر الأطفال بنفس المراحل والترتيب في الاكتشافات المتعاقبة من أعمالهم لدرجة أنهم يقعون في نفس الأخطاء تقريبا في المرحلة العمرية الواحدة، والطفل عند بياجيه وكل أصحاب الاتجاه المعرفي ليس قابلا سلبيا لمؤثرات البيئة، بل هو إيجابي يؤثر ويتأثر، وليس مجرد مرآه تنعكس عليها خبرات البيئة، بل يبحث عن الخبرات ويتفاعل ويؤثر في البيئة المحيطة.

أهمية دراسة علم النفس المعرفي

من المهم لكل فرد دراسة قدر ضروري من علم النفس المعرفي، سواء كان متخصصا في علم النفس المعرفي أو كان فردا عاديا، وذلك بغية الوصول إلى فهم أعمق للعقل البشري وتعقيداته ووظائفه، وبالتالي تنمية قدرات هذا العقل وتطويره، الأمر الذي يساهم في تنظيم العمليات العقلية خاصة أننا نعيش الآن عصر الثورة المعلوماتية، وقد نشأت علوم جديدة تستهدف تحليل البيانات أو تحقيق أقصى استفادة من المعلومات مثل: علم Data science، وعلم Data analysis، وغير ذلك من المعارف؛ لذا فمن الضروري إجادة التعامل مع هذا الكم من المعلومات والسعي لتحقيق أقصى استفادة ممكنة من هذه المعلومات. بالإضافة إلى ذلك فإن علم النفس المعرفي يتقاطع مع العديد من التخصصات مثل العلوم التربوية وعلم النفس المرضي clinical psychology، وعلم نفس النموDevelopmental psychology، وغيرهم، الأمر الذي أدى إلى تأثر تلك المعارف بعلم النفس المعرفي والنظريات المعرفية المختلفة، فظهرت النظرية المعرفية في علم النفس، والنظرية المعرفية في علم النفس المرضي، بالإضافة إلى النظرية المعرفية في علم النفس النمو وكذلك النظرية المعرفية في علم النفس التربوي ذلك من النظريات التي استفادت من المدرسة المعرفية وعلم النفس المعرفي.

تعريف المدرسة المعرفية

مع بدايات النصف الثاني من القرن العشرين، ظهر اهتمام الباحثين وعلماء النفس بالعلاج المعرفي السلوكي، وقد نشأت المدرسة المعرفية في محاولة لتصحيح مسار المدرسة السلوكية التي أهملت دور المعرفة وتفسيرها، ويعد نيسر صاحب أول كتاب في علم النفس المعرفي، والذي عرف علم النفس المعرفي بقوله: إنه العلم الذي يدرس المعلومات التي من خلالها تدخل المعلومات الحسية إلى الدماغ، بالإضافة إلى ذلك فإنه يدرس كيفية تنظيم تلك المعلومات وتخزينها واستعادتها واستخدامها في مجالات الحياة اليومية. وعموما فإن من الممكن تعريف المدرسة المعرفية في علم النفس بأنها عبارة عن مجموعة من الاتجاهات التي تركز على دور العمليات العقلية والمعرفية في السلوكيات القابلة للملاحظة المباشرة، واعتبارها جديرة بالدراسة في علم النفس، حيث يرى رواد المدرسة المعرفية في علم النفس أن ثمت مجموعة من الحالات الذهنية المختلفة التي يمر بها الإنسان، مثل: الرغبة والتفكير والإيمان والمعرفة وغيرهم، لذلك فإن من الضروري أن يتم الربط بين سلوك الإنسان ومعارفه وخبراته السابقة فالمدرسة المعرفية في علم النفس تقوم أساسا على الاعتقاد بأن إصابة الأشخاص بالاضطرابات النفسية لا يحدث نتيجة للأحداث التي يعانونها، وإنما تكون تلك الاضطرابات مرتبطة بالأفكار التي نشأت من هذه الأحداث. لذلك نشأت المدرسة المعرفية وبدأ الاهتمام بالعلاج المعرفي كواحد من أدوات العلاج السلوكي، حيث يقوم العلاج المعرفي على توجيه الاهتمام إلى ما يحمله الإنسان من أفكار ومواقف تجاه الأفكار والأشخاص والأشياء والأحداث؛ حيث يقوم علم النفس المعرفي أو علم النفس الإدراكي باستكشاف العمليات الذهنية الداخلية، من خلال دراسة كيفية قيام الناس بالتفكير والإدراك والتذكر والتحدث وحل المشكلات.

الأسس التي تقوم عليها المدرسة المعرفية

ثمت بعض المبادئ والأسس التي تقوم عليها المدرسة المعرفية وتميزها عن غيرها من مدارس علم النفس، ومن هذه الأسس:

1. التأكيد على إيجابية الإنسان وإنسانيته من خلال أهدافه وأفكاره واختياراته

2. التأكيد على دور الفهم والمعرفة خاصة في عمليات الإدراك والتعلم.

3. ضرورة دراسة المتغيرات الوسيطة والعمليات العقلية المعرفية مثل: التفكير والإدراك والذاكرة والتخيل واللغة وحل المشكلات.

4. ضرورة معرفة التفاصيل الدقيقة المتعلقة بكيفية عمل العمليات المعرفية وكيفية تطبيقها في الحياة اليومية.

5. السلوك أو التعلم ليست رابطة بسيطة بين مثيرات واستجابات، لكنها عملية معقدة تتداخل فيها العديد من العوامل.

6. ضرورة استخدام الاستبطان غير الشكلي بصفة خاصة لتنمية الشعور الحدسي، بينما يفضل استخدام الطرق الموضوعية لتعزيز وتأكيد مثل هذا الشعور.

7. على عكس المدرسة السلوكية ترى المدرسة المعرفية أن قوانين التعلم واستراتيجياته ليست واحدة عند الجميع وليست ثابتة في جميع المراحل.

 

وختاما فقد سعينا في هذا المقال إلى تقديم دليل موجزا لعلم النفس المعرفي والمدرسة المعرفية في علم النفس، وقد بينا أن البحث في قضية المعرفة والسعي إلى تفسير العمليات المعرفية المختلفة ليس وليد الساعة ولكنه بحثا للإجابة عن الأسئلة المعرفية التي كانت أساسا للاختلاف بين الفلاسفة على مدار التاريخ والتي طالما حيرت العقل البشري وأرقت الإنسان فسعى للإجابة عنها، وقد تناولنا أهم رموز المدرسة المعرفية وتعريف المدرسة المعرفية في علم النفس والأسس والمبادئ التي قامت عليها.

 

المراجع

- بشارة، موفق. (2004). أثر برنامج تدريبي لمهارات التفكير عالي الرتبة في تنمية التفكير الناقد والإبداعي لدى طلاب الصف العاشر الأساسي. رسالة دكتوره غير منشورة. جامعة اليرموك، الأردن.

- تمبل، كريسين. (2002). المخ البشري. ترجمة عاطف أحمد. عالم المعرفة، المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، الكويت.

- جروان، فتحي. (2011). تعليم التفكير: مفاهيم وتطبيقات. دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع، عمان، الأردن.

-  الزيات، فتحي. (1998). الأسسس المعرفية للتكوين العقلي وتجهيز المعلومات. سلسلة علم النفس المعرفي، دار الوفاء، المنصورة، مصر.

- شلبي، محمد. (2002). مقدمة في علم النفس المعرفي. دار غريب، القاهرة، مصر.

- عبد الله، محمد. (2003). سيكولوجية الذاكرة. عالم المعرفة، المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، الكويت.

 

التعليقات


الأقسام

الوســوم

نبذة عنا

تؤمن شركة دراسة بأن التطوير هو أساس نجاح أي عمل؛ ولذلك استمرت شركة دراسة في التوسع من خلال افتتاح فروع أو عقد اتفاقيات تمثيل تجاري لتقديم خدماتها في غالبية الجامعات العربية؛ والعديد من الجامعات الأجنبية؛ وهو ما يجسد رغبتنا لنكون في المرتبة الأولى عالمياً.

المزيد

اتصل بنا

فرع:  السعودية  +966 560972772 - 00966555026526‬‬

المزيد

تابعونا على تويتر . . .

شارك:
footerimg

جميع الحقوق محفوظة لموقع دراسة ©2017