طلب خدمة
×

التفاصيل

المنهج الاستنباطي في البحوث العلمية

2021/03/18   الكاتب :د. ريم الأنصاري
عدد المشاهدات(11771)

المنهج الاستنباطي في البحوث العلمية

 

 

تؤمن شركة "دراسة لخدمات البحث العلمي و الترجمة" بأن البحث العلمي هو السبيل الأمثل لنهضة الأمم، لذا تقوم الشركة بتقديم هذه المقالات التأسيسية المتعلقة بمناهج البحث العلمي وتحديدا المنهج الاستنباطي حرصا منا على الارتقاء بالأمة العربية وتطوير البحث العلمي في الوطن العربي، والارتقاء بمستوى الباحثين الشباب في العلوم الطبيعية والعلوم الإنسانية وكذلك العلوم اللغوية والشرعية، ونسعى في هذا المقال إلى تقديم رؤية تأسيسية كاملة للمنهج الاستنباطي. ونحاول أن نبين في هذا المقال مفهوم "المنهج الاستنباطي" ونتكلم فيه على التطور التاريخي للمنهج الاستنباطي، وطبيعة المنهج الاستنباطي والعلوم التي تخضع لهذا المنهج، ومراحل استخدام المنهج الاستنباطي، ثم نشرع في الكلام على القواعد المستند إليها عند تطبيق المنهج الاستنباطي في البحث العلمي، وأخيرا يأتي الكلام على مميزات المنهج الاستنباطي وعيوبه.

 

نظرة تاريخية على المنهج الاستنباطي

يعد المنهج الاستنباطي أو المنهج الاستدلالي أو القياسي أقدم المناهج تأصيلا، وقد كان ذلك على يد الفيلسوف اليوناني أرسطوطاليس الذي توفي قبل ميلاد السيد المسيح بمئات السنين، حيث يعتبر هو أول من أصل لاستخدام المنهج الاستنباطي، ومن المعروف أن أرسطوطاليس هو واضع علم المنطق والذي ما زال يدرس إلى يومنا هذا في الجامعات وأروقة الجوامع العتيقة في الوطن العربي كالأزهر والزيتونة والقرويين وغيرهم ، وقد استفاد الفلاسفة اليونان وفلاسفة الإسكندرية وغيرهم من المنهج الاستنباطي وطوروه، فقد كان اهتمام الحضارة اليونانية متوجها بالأساس إلى المنطق الاستنباطي الاستدلالي أو المنهج القياسي وهو المنهج الذي استخدموه واعتمدوا عليه أساسا للوصول إلى النتائج، حتى دالت الحضارات القديمة وانتهت النوبة إلى الحضارة الإسلامية التي بلغت مبلغا عظيما في كل العلوم، خاصة العلوم العقلية التي تعنى بالتأصيل للعلوم والتي توسم في العصر الحالي بفلسفة العلم، وكان من ضمن هذه المناهج المؤصلة للعلوم المنهج الاستنباطي، وقد مزج المسلمون مزجا عجيبا بين المنهجين الاستنباطي والاستقرائي، ووازنوا بينهما واستخدموا كلا منهما وفق طبيعته في العلوم التي يصلح لها، وكان أكثر من استفاد من المنهج الاستنباطي علماء الكلام من أمثال: الغزالي، والفلاسفة من أمثال: ابن سينا وابن رشد والكندي والفارابي، والفقهاء والأصوليين كالرازي والقرافي وابن الحاجب إذ رأوا أن هذا المنهج يقوم على الاستدلال العقلي، فاستخدموه للبرهنة على صحة الاعتقاد وقاموا بإدخاله في كل العلوم الشرعية واللغوية، فاقترنت كل العلوم الإسلامية بالمنطق والاستدلال والبرهان وفق المنهج الاستنباطي، ثم دالت دولة المسلمين وانتهت النوبة إلى الأوروبيين الذين استفادوا من الحضارة الإسلامية وتعلموا من علومها وعلمائها، وكان توما الإكويني مثالا لذلك، كما تأثر الفيلسوف الفرنسي رينيه ديكارت تأثرا عظيما بالغزالي، ومن يطالع كتابه "مقال في المنهج" ويقارنه بكتاب الغزالي "المنقذ من الضلال" يعلم حجم تأثره بالإمام، وقد قام ديكارت باعتبار المنهج الاستنباطي القائم على القياس والاستدلال هو المنقذ من كل المشكلات المعرفية لدرجة أنه اعتبره المنهج الوحيد الذي يمكن أن يقود الإنسان إلى الحقيقة، إلا أن الأوروبيين سرعان ما مالوا إلى المنهج الاستقرائي القائم على التجربة في مقابل المنهج الاستنباطي القائم على الاستدلال الذهني والبرهان العقلي.  (منتصر، 2010)

مفهوم المنهج الاستنباطي 

قبل الكلام على المنهج الاستنباطي ومفهومه لا بد من الحديث على مفهوم كلمة "المنهج" والمقصود بها، وكذلك مصطلح "الاستنباط"، ونقول: المنهج في اللغة هو النهج والمنهاج وهو: الطريقُ الواضِحُ المستقيم،

أما في الاصطلاح، فالمنهج: هو عبارة عن مجموعة من القواعد العامة المصاغة والمتبعة من أجل الوصول إلى الحقيقة في العلم. ويعرف المناطقة المنهجَ بأنه: فن التنظيم الصحيح لسلسلة من الأفكار العديدة، إما من أجل الكشف عن المعرفة والوصول إلى الحقيقة، أو من أجل البرهنة عليها. وقد بدأ استعمال مصطلح "المنهج" بهذا المعنى تزامن مع عصر النهضة الأوروبية في القرنين السادس والسابع عشر.

أما الاستنباط فهو: انتقال الذهن من قضية أو مجموعة قضايا تمثل المقدمات إلى قضية أخرى وهي النتيجة، وتعتبر البرهنة الرياضية واحدة من أوضح صور المنهج الاستنباطي. (الدعيلج، 2010)

طبيعة المنهج الاستنباطي والعلوم الخاضعة له

يتبع المنهج الاستنباطي طريقة بحث ممنهجة حيث يسير فيه الباحث من مقدمات ومبادئ إلى قضايا ونتائج، ويمضي البحث من المقدمات إلى النتائج على أساس ذهني ومنطقي، دون اللجوء إلى التجربة؛ إذن فهو يبدأ من الكليات وينتهي إلى الجزئيات.

 للمنهج الاستدلالي أدواته الخاصة، وأهمها: القياس والتجريب العقلي والتركيب والبرهنة الرياضية. ويعتبر المنهج الاستنباطي هو المنهج الأساسي المستخدم في البحوث العلمية في مجالات العلوم الإنسانية مثل: الفلسفة والمنطق وفلسفة العلوم والإبستمولوجيا وكذلك العلوم الشرعية كالفقه وأصول الفقه والعقيدة والكلام، بالإضافة إلى العلوم البحتة التجريدية مثل: الهندسة والجبر وحساب المثلثات، وكذلك فإن من الممكن الاستفادة من المنهج الاستنباطي في العلوم الطبيعية والتطبيقية من خلال مزجه بالمناهج البحثية الأخرى.

يعتمد المنهج الاستنباطي على عدد من الأدوات بغرض الوصول الصحيح إلى أقرب النتائج إلى الصحة، وأبرز هذه الأدوات ما يلي:

1. القياس العلمي: حيث يعد القياس هو الأساس الذي يعتمد عليه الباحث في سيره وفق المنهج الاستنباطي، وذلك في ضوء المقدمات التي أثبتت صحتها سابقا.

2. التجربة العقلية: وهي عبارة عن ترجيح لفرضيات بحثية من خلال التفكير العميق، وشرح وجهات النظر. (الأشوح، 2004)

3. تركيب النتائج: حيث يقوم الباحث بوضع النتائج بأسلوب منهجي سليم، وذلك بعد قيام الباحث بالاستعانة بالمسلمات الأولية.

خطوات المنهج الاستنباطي

أولا: تعيين المقدمة أو المُسلَّمة العامة

وهي أولى خطوات اتباع المنهج الاستنباطي، حيث يقوم الباحث بتحديد المسلمة التي تعرف باسم المقدمة العامة أو المحورية، ويقوم الباحث بطرح أمورًا حقيقية وواقعية لا تشوبها أخطاء.

ثانيا: تحديد الجُزئيات

وفي هذه المرحلة من مراحل المنهج الاستنباطي يقوم الباحث بتحديد الجزئيات بناءً على القاعدة.

ثالثا: الفروض والنتائج

يقوم الباحث بعد ذلك بافتراض فروض أو أسئلة بحثية، ويقوم بإثبات مدى جودتها من عدمه، ومن خلال الرقميات التي يتم التوصل إليها عن طريق عيِّنات الدراسة، أو المُلاحظة والتجربة.

مميزات المنهج الاستنباطي وعيوبه

أولا: مميزات المنهج الاستنباطي

1. التراتبية والتنسيق الذهني: وهذه واحدة من أهم المزايا التي تميز المنهج الاستنباطي؛ حيث يتدرج الباحث من المقدمات إلى النتائج بطريقة منطقية استدلالية سلسة كما تقول: 1+1=2.

2. الوصول إلى نتائج دقيقة ويقينية: وذلك لأنه يستند أساسا على بديهيات مسلمة ومستقرة في جميع العقول؛ إذ لا ينازع عاقل في "استحالة الجمع بين النقيضين"، أو "الكل أكبر من الجزء" أو "مبدأ السببية" وبالتالي فإن التدرج من هذه البديهيات إلى نتائج أخرى يجعل الباحث مطمئنا إلى ما يصل إليه من نتائج.

ثانيا: عيوب المنهج الاستنباطي

تعتبر أهم العيوب في المنهج الاستنباطي، هي إمكانية أن يتأثر بشكل كبير بآراء الباحث وتحيزاته وأهوائه، ويبدو أن هذا بعيد نسبيا في البرهنة الرياضية، لكن يبدو الأمر قريبا في البحوث القائمة على الاستدلال المنطقي والقياس والبرهان العقلي، مما يضع موضوعية المنهج الاستنباطي على المحك.

القواعد التي يستند إليها تطبيق المنهج الاستنباطي

يستند تطبيق المنهج الاستنباطي على المبادئ وهي عبارة عن مجموع القضايا والتصورات الأولية، التي لا تستنتج من غيرها في نظام استدلالي معين، والتي تعتبر بديهية وغير قابلة للبرهنة. وتنقسم المبادئ إلى بديهيات ومصادرات وتعريفات.

أولا: البديهيات: وهي قضايا بينة في نفسها ويعتبر من غير الممكن البرهنة عليها، وبالرغم من عدم إمكانية إقامة البراهين عليها إلا أنها تعد صادقة عند كل من يفهم معناها، وتتصف بأنها ضرورية وبينة بذاتها بمعنى أنها لا تحتاج إلى استدلال منطقي، وتتصف بالأولية المنطقية بمعنى أنها لا تستخلص من غيرها، وهي مسلمة في كل العقول لذا يطلق عليها القضايا المشتركة. ومثال البديهيات قولنا: الكل أكبر من الجزء. (بدر، 2002)

ثانيا: المصادرات: وهي أقل يقينية من البديهيات ولا يمكن أيضا البرهنة عليها، ولكن الفرق بينهما أن المصادرات ليست بينة بنفسها، ولكن تتم المصادرة على صحتها والتسليم بها مع عدم بيانها بوضوح في العقل، وبالرغم من ذلك يمكن أن نستنتج منها نتائج لا حصر لها دون الوقوع في إحالة، لذا فإن نتائجها تبين صحتها، ومن أشهر الأمثلة على المصادرات: مصادرة إقليدس والتي تقول: "يمكن من نقطة أن يجر مستقيم مواز لمستقيم آخر، ولا يمكن أن يجر غير مستقيم واحد" فنجد أن هذه المصادرة كانت سببا في إقامة هندسة إقليد، ومع ذلك فإن من غير الممكن البرهنة عليها.

ثالثا: التعريفات: وهي عبارة عن جزئيات تتعلق بتصورات خاصة بكل علم، ففي الهندسة مثلا تتعلق بالخط والمثلث والتطابق، وهي تقوم بشرح مصطلحات معينة تخص كل فن. (المحمودي، 2019)

وختاما نرجو أن يمثل هذا المقال استفادة حقيقية للباحثين ويكون سببا في تطوير مستوى الباحثين الشباب، وأن يكون هذا المقال لبنة في بناء البحث العلمي في الوطن العربي، وأن يساهم في ازدهار العلم وفلسفته. 

 

اقرأ أيضا المنهج الاستقرائي في البحوث العلمية

 

المراجع

منتصر، أمين. (٢٠١٠) خطوات وضوابط البحث العلمي. مصر: دار الفكر العربي.

الدعيلج، إبراهيم عبد العزيز. (٢٠١٠) مناهج وطرق البحث العلمي. الأردن: دار صفاء.

حافظ، عبد الرشيد بن عبد العزيز. (٢٠١٢) أساسيات البحث العلمي. جدة: مركز النشر العلمي، جامعة الملك عبد العزيز.

المحمودي، محمد سرحان علي. (٢٠١٩) مناهج البحث العلمي. صنعاء: دار الكتب.

بدر، أحمد. (٢٠٠٢) أصول البحث العلمي ومناهجه. المكتبة الأكاديمية.

النشار، علي سامي. (1984) مناهج البحث عند مفكري الإسلام. بيروت: دار النهضة العربية للطباعة والنشر.

الأشوح، زينب. (٢٠١٤) طرق وأساليب البحث العلمي وأهم ركائزه. القاهرة: المجموعة العربية للتدريب والنشر.

زيان، محمد عمر. (١٩٨٣) البحث العلمي مناهجه وتقنياته. جدة: دار الشروق للنشر والتوزيع.

عناية، غازي. (٢٠٠٨) منهجية إعداد البحث العلمي بكالوريوس ماجستير دكتوراه. الأردن: دار المناهج.

القحطاني، سالم سعيد. (٢٠٠٤) منهج البحث في العلوم السلوكية. الرياض: مكتبة العبيكان.

 

التعليقات


حمزة محمود البشير2021/07/16

السلام عليكم : لقد وجدت ضالتي عندكم فجزاكم الله خير الجزاء ، وكيف اقوم بالإشترك معكم وأريد ان تصلني منشوراتكم ..

الأقسام

أحدث المقالات

الأكثر مشاهدة

خدمات المركز

نبذة عنا

تؤمن شركة دراسة بأن التطوير هو أساس نجاح أي عمل؛ ولذلك استمرت شركة دراسة في التوسع من خلال افتتاح فروع أو عقد اتفاقيات تمثيل تجاري لتقديم خدماتها في غالبية الجامعات العربية؛ والعديد من الجامعات الأجنبية؛ وهو ما يجسد رغبتنا لنكون في المرتبة الأولى عالمياً.

المزيد

اتصل بنا

فرع:  الرياض  +966 560972772 - 00966555026526‬‬

فرع:  جدة  +966 560972772 - 00966555026526

المزيد
شارك:

جميع الحقوق محفوظة لموقع دراسة ©2017