طلب خدمة
×

التفاصيل

عدد المشاهدات(34167)
الفرق بين الاستقراء والاستنباط في البحث العلمي

الفرق بين الاستنباط والاستقراء في البحث العلمي

 

تعتبر المنهجيّة العلميّة حجرَ الزّاوية في بناء هيكلِ العلوم الإنسانيّة والاجتماعيّة، وتضرب بجذورها عميقاً في أسس المعرفة، لذلك نالت قسطاً وافراً من الاهتمام لتطويعها وترسيخها لتخدم كمرتكزٍ للقيام بالأبحاث والدراسات، ومن ثم التوصل إلى نتائج تطبيقيّة تُفضي إلى تطوير شتى مجالات العلوم.

يمكننا أن نعرّف المنهج العلميّ على وجه العموم بكونه السبيل الذي يختاره الباحث لدراسةٍ مشكلةٍ أو مشاهدةٍ ما، وكشف جوانبها وإسدال الستار عن ارتباطاتها المختلفة ثمّ اللجوء لاستخدام العديد من الأدوات لجمع البيانات وإخضاعها للتحليل والمحاكمة واستخلاص النتائج، بهدف التوصّل إلى أجوبةٍ لمجموعة الأسئلة التي تجول في خاطر الباحث (أبو بكر واللحلح، 2007، ص43).

ومع تطوّر المعارف البشريّة والتنوع الغزير لفروع العلوم الأساسيّة، سياسيّةً كانت أم طبيعيّة أم اجتماعيّة أم إنسانيّة، ظهرت عدة أنواع لمناهج البحث العلميّ، سنتناول منها منهجين هما: المنهج الاستنباطي والمنهج الاستقرائي.

مفهوم الاستنباط:

هو مجموعة العمليّات العقليّة التي تجعل من العام منطلقاً لها ومن الخاص منتهاها (محمد، 2020)، وبذلك نقصد الانتقال بمدرج ضيّق من الكلّ إلى الجزء، فالاستنباط هو كلّ استدلال تكون النهايات فيه مساوية للمقدمات أو حتّى أصغر منها أيضاً، ومن الأمثلة الشهيرة على ذلك: "كلّ إنسانٍ فان، وسقراط إنسان، إذاً سقراط فانٍ) (حمويّة، 2016).

ويفضي الاستنباط إلى التوصل إلى نتائج يقينيّة صادقة فيما يخصّ الظاهرة موضع الدراسة، تدعى هذه المنهجيّة أيضاً بالقياس وتمثّلُ تياراً فلسفيّاً مثاليّاً يقوم بدراسة الظاهرة بصورتها المثاليّة وليس كما هي في الحقيقية الواقعيّة (محمد، 2020).

 مراحل المنهج الاستنباطي:

ينطلق المنهج الاستنباطيّ في لُبّه من مبادئ وأحكام مسبقة تركّز في المقام الأول على طيفٍ من المسلمات والفرضيات وعليها يُبنى البرهان العقليّ دون الاحتكام إلى التجربة وأرض الواقع بهدف الوصول إلى الحقيقة العلميّة المُرتجاة حول الظاهرة المدروسة. وبعبارةٍ واحدة، نستطيع القول أنّ المعرفة بالاستنباط هي نتاجٌ عقليّ خالص، وأنّه بالاستدلال الفكريّ وحده يتوصل الباحث إلى الحقيقة الكاملة لما يحيطُ به (محمد، 2020).

عيوب المنهج الاستنباطيّ:

يدور هذا المنهج في فلك الفلسفيّة المثاليّة، قد تكون في الكثير من الأحيان مُفارقة للواقع رغم ادّعاء أصحابها أنّها تُسفرُ عن صدقٍ مطلقٍ ونتائج ثابتة.

توجه العديد من الانتقادات إلى سير واتجاه طريق المعرفة في هذا المنهج، ومن الجليّ هنا أنّه يعدّ قاصراً عن مواكبة الدراسات السياسيّة والاجتماعية لأنها تقوم في جوهرها على الانتقال من الجزء إلى الكل (محمد، 2020)ّ.

مفهوم المنهج الاستقرائيّ:

هو أسلوب من أساليب التفكير ينتقل فيه الباحث من الوقائع إلى القوانين (ماهل والصديق، 2018)، وبذلك نعني الانتقال بمدروجٍ واسع من الجزء إلى الكلّ، فالاستقراء هو كلّ استدلال تكبُر فيه النهايات عن المقدمات التي نشأت عنها. مثال: كلٌّ من الماء والكحول والزيت يأخذ شكل الإناء الذي يوضع فيه، وهذه المواد هي سوائل، وبالتالي كلّ سائل يأخذ شكلَ الإناء الذي يوضع فيه، أيّ شملت النتيجة كلّ السوائل وبذلك كانت أكبر من المقدمات التي تضمنت عدداً محدوداً من السوائل. تكون نتيجة الاستقراء عبارة عن احتمال قد يصدق أو يخيب، وفي الوقت ذاته ينطلق الاستقراء في مقدماته من الصدق الواقعيّ في سياق منسجم ومنطقيّ (حمويّة، 2016). يعدّ هذا المنهج مزيجاً بين المثاليّ والواقعيّ، لكونه يدرس الظاهرة في الواقع وكما يجب أن تكون في آنٍ واحد (محمد، 2020).

مراحل المنهج الاستقرائيّ:

نلجأ لتطبيق المنهج الاستقرائيّ على ظاهرة ما وفق الخطوات الآتية (محمد، 2020):

  • اختيار الظاهرة المرجوّ تناولها.
  • إحاطة الاحتمالات الممكنة لها.
  • البحث وجمع البيانات حول هذه القضيّة أو المشكلة ثمّ تصنيفها وترتيبها بشكلٍ منتظم.
  • إرساء أسس وقواعد عامّة ثم الانتقال إلى ميدان التطبيق.
  • التوصل إلى نتائج وتحديد تأثيراتها.

عيوب الاستقراء:

وُجهت بعض الانتقادات لهذه المنهجيّة، نذكر منها (محمد، 2020):

  • لم يكن تأثير هذا المنهج لأرسطو وطاليسي علمياً واقعياً بقدر ما كان تأثيراً فلسفياً.
  • النتائج فيه احتماليّة، تستدعي المزيد من التقصيّ.
  • افتقر منهج أرسطو الاستقرائيّ إلى تبيان نوعيّة التوازن بين الماهيّة والكميّة.

الفرق بين الاستنباط والاستقراء:

مما سبق نستطيع القول إن الفرق بين المنهجيتين يدور حول عدّة نقاط مهمّة:

  1. أسلوب التدليل: يعتمد الاستنباط في استدلاله على الطريقة القياسيّة المتمثّلة بقاعدة من العام إلى الخاص، أما الاستقراء فيتجه بمسارٍ عكسيّ من الخاص إلى العام.
  2. أداة التدليل: في الوقت الذي يكون فيه الاستنباط محتكماً إلى العقل بمفرده دون الخوض في غمار التجربة لصوغِ المقدمات ونتائجها، يلجأ الاستقراء إلى الصدق الواقعيّ في مقدماته ويحتكم العقلُ فيه إلى التجربة. لذلك يعدّ الاستقراء أداةً تتمتع بموضوعيّة عالية مقارنةً بالاستنباط في إثبات المعارف العلميّة (حمويّة، 2016).
  3. المقدمات: تكون إحدى مقدّمتي الاستنباط على الأقلّ كليّة، ومنها تكون نتائجها كليّة وجزئيّة. أمّا الاستقراء فمقدماته جزئيّة ونتائجه كليّة على الدوام، كما يُعنى بالواقعية في مقدماته عكس الاستنباط.
  4. النهايات: تكون نتيجة الاستنباط صادقة تمامَ الصدق، وليس فيها شيءٌ جديد إذ أنّ النتيجة كانت مُشتملة أصلاً في المقدمة الكُبرى. أمّا الاستقراء فنتيجتهُ دائماً احتماليّة ولن تصل إلى خالص اليقين، ولكنّها تحوي جديداً عمّا هو مثبتٌ في النهايات (زيدان، 1977، ص24).
  5. حجم المعلومات: حيث يستند الاستقراء إلى معلومات ناقصة ورسم استنتاج قد يكون حقيقيّ لها، في حين يستند الاستنباط إلى معلومات كافيّة للوصول إلى حقائق (الدروبي، 2016)

الخاتمة:

يوجد ارتباط وثيق بين المنهجيتين يرخي بظلاله نعيماً على سير المعرف والعلوم البشريّة. حيث يزوّد الاستقراءً الاستنباطَ بمقدماتٍ كليّة مأخوذة من الواقع صحيحة وصادقة، وبدوره يبحثُ الاستنباط في نتائج الاستقراء وله منه مكان المُراجعّ والمًدقق؛ لأنّ القضايا الكليّة التي نصل إليها بالملاحظة والتجريب لا نتمكن من التأكد منها إلّا بتعميمها على الجزئيات الجديدة (إبراهيم، 1999، ص13). أيّ أنّ كلاهما يرفدُ بعضه الآخر، ويثمر ذلك عن توطيد أسس وصحة التفكير والمنطق البشريّ.

المراجع                                                                                                                                                  

  • ابراهيم، ابراهيم، (1999). منطق الاستقراء (المنطق الحديث)، الاسكندريّة: منشأة المعارف.
  • أبو بكر، مصطفى محمود؛ اللحلح، أحمد عبد الله. (2007). منهج البحث العلميّ، الاسكندريّة: الدار الجامعيّة.
  • حمويّة، أدهم محمد عليّ. (2016). الأسس المنطقيّة للاستقراء النحويّ: دراسة إبستمولوجيّة، مجلة التجديد، المجلد 20، العدد 40، ص 81-107.
  • الدروبيّ، يسار صفوان. (2016). الفروق بين الذكاء السائل والمتبلور في التفكير الاستدلاليّ، رسالة ماجستير غير منشورة، كلية التربيّة، جامعة دمشق.
  • زيدان، محمود فهمي. (1977). الاستقراء والمنهج العلميّ، الاسكندريّة: دار الجامعات المصريّة.
  • ماهل، فضل الله النور عليّ؛ الصدّيق، محمد عبد القادر. (2018). الاستقراء النحويّ وعلاقته بالبحث العلميّ، مجلة العلوم والبحوث الإسلاميّة، مجلد 19، العدد 2، ص123-133.
  • محمد، مدّاحيّ. (2020). محاضرات في منهجيّة البحث العلميّ، الجزائر: جامعة البويرة.

 

تحديد موضوع البحث, الدّراسات السّابقة في البحث, صياغة الفروض, خطّة البحث العلمي, الملاحظة كطريقة لجمع البيانات, الجمع للمادّة العلميّة, الملاحظة في البحث العلمي, الجمعية الأمريكيّة السّيكولوجيّة (APA), APA 7th edition, شركة دراسة لخدمات البحث العلمي و الترجمة, الباحث العلمي, تساؤلات البحث العلمي, الأدوات البحثية, الخدمات, الفرضيات, استخلاص نتائج البحث العلمي وطريقة كتابتها بطريقة علمية صحيحة

 

 

التعليقات


عتو2021/11/17

رائع..

Youssef2022/01/07

السلام عليكم ورحمه الله وبركاته، الصلاة والسلام على رسول الله..

الأقسام

أحدث المقالات

الأكثر مشاهدة

خدمات المركز

نبذة عنا

تؤمن شركة دراسة بأن التطوير هو أساس نجاح أي عمل؛ ولذلك استمرت شركة دراسة في التوسع من خلال افتتاح فروع أو عقد اتفاقيات تمثيل تجاري لتقديم خدماتها في غالبية الجامعات العربية؛ والعديد من الجامعات الأجنبية؛ وهو ما يجسد رغبتنا لنكون في المرتبة الأولى عالمياً.

المزيد

اتصل بنا

فرع:  السعودية  +966 560972772 - 00966555026526‬‬

المزيد
شارك:

جميع الحقوق محفوظة لموقع دراسة ©2017