ابدأ طلبك الأكاديمي
صوتك مسموع
راسلنا
×

التفاصيل

حنيفًا مسلمًا

2026/01/14   الكاتب :د. يحيى سعد
عدد المشاهدات(7)

لماذا وُصف إبراهيم بذلك ولماذا خُتم بـ ولم يكن من المشركين؟

حين يذكر القرآن أبانا إبراهيم عليه السلام، لا يكتفي بوصفٍ واحد.

لا يقول: كان مسلمًا وينتهي بل يقول:

﴿مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَٰكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُّسْلِمًا ۚ وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾
[سورة آل عمران: الآية 67]

ثلاث طبقات من المعنى، مرتّبة بعناية، وليست تكرارًا ولا حشوًا.

حنيفًا، مسلمًا، ولم يكن من المشركين.

فما الحكمة؟

الحنفية انحراف عن الباطل قبل الانتماء للحق

الحنفية ليست لقبًا، بل حالة قلب هي الميل الواعي عن كل ما سوى الله، حتى قبل أن تتشكّل التفاصيل، وقبل أن تُفرَض التكاليف.

إبراهيم لم يبدأ بالأوامر، بل بدأ بالنفور من الزيف.

نظر إلى الكوكب فلم يطمئن، ثم إلى القمر فلم يستقر، ثم إلى الشمس فلم يسكن.

حتى قالها بوضوح لا لبس فيه:

﴿إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾
[سورة الأنعام: الآية 79]

الآية لا تقول آمنت فقط، بل تقول وجّهت وجهي.
فالوجهة تسبق التفاصيل، والقلب إذا استقام تبعته الجوارح.

الحنفية في القرآن منهج ثبات لا توصيف لغوي

لم يرد ذكر الحنفية مرة واحدة، بل جاءت بوصفها طريقًا يُتَّبع، لا حالة تُحكى.

﴿ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا﴾ سورة النحل: الآية 123

كأن الرسالة تقول:
طريق النجاة ليس جديدًا، بل هو الطريق القديم نفسه تحرير القلب أولًا.

فمن لم يتحرّر قلبه من الشرك، لن يثبت عند الاختبار، ولو عرف الأحكام كلّها.

الإسلام الاستسلام بعد وضوح الوجهة

بعد أن تُحرَّر الوجهة، يأتي الإسلام.

الإسلام ليس مجرّد أداء، ولا انتماء اسمي، بل استسلام واعٍ بعد رؤية.

ولهذا قُدّمت الحنفية على الإسلام في الوصف.

لأن من لم يتحرّر قلبه أولًا، قد يدخل الإسلام شكلًا، لكن قلبه ما زال موزّعًا.

إبراهيم عليه السلام لم يُسلِم لأنه وُلد مسلمًا، بل لأنه اختار الله بعد بحث وصدق.

ولهذا كان إسلامه ثابتًا، لا تهزّه النار، ولا تُربكه الأوامر الثقيلة.

لماذا قال ولم يكن من المشركين؟

قد يظن القارئ أن الجملة زائدة، لكنها في الحقيقة قفل المعنى.

لأن أخطر ما يهدد التديّن ليس الكفر الصريح، بل الشرك الخفي.

أن تُسلِم لكن يبقى في القلب تعظيم لغير الله.
أن تطيع لكن مرجعك الحقيقي خوف الناس أو رضاهم.
أن تعبُد لكن قلبك معلّق بالأسباب لا بالمسبِّب.

ولهذا جاء التأكيد ولم يكن من المشركين.

كأن القرآن يقول ليس كل من قال أنا مسلم نجا، بل من صفّى وجهته،
ثم أسلم، ثم حمى قلبه من الشرك الظاهر والخفي.

ثبات إبراهيم ثمرة الحنفية لا بطولة لحظة

ليس عجيبًا أن يثبت إبراهيم في المواقف الكبرى، العجيب لو لم يثبت.

فمن صفّى وجهته لله، لم يعد يخاف إلا منه، ولا ينتظر إلا أمره.

 في النار ثبات لأن القلب لم يتوزّع

حين أُلقي إبراهيم في النار، لم يكن الثبات بطولة لحظة، بل ثمرة مسار طويل من الحنفية.

﴿قَالُوا حَرِّقُوهُ وَانصُرُوا آلِهَتَكُمْ﴾ سورة الأنبياء: الآية 68

لو كان في قلبه تعلّق بغير الله، لتردّد، لتنازل.

لكن القلب الذي قال مبكرًا: لا أحب الآفلين لم يعد يرى للنار سلطانًا.

أمام الأصنام شجاعة لأن القناعة سبقت المواجهة

حين كسر الأصنام، لم يكن مندفعًا، بل واثقًا.

﴿وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ﴾ سورة الأنبياء: الآية 57

من لم يُقدّس الأصنام في قلبه، سهل عليه كسرها بيده.

في المناظرة وضوح لأن العقل تحرّر

حين حاوره النمرود، لم يناور، ولم يتلعثم.

﴿قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ﴾ سورة البقرة: الآية 258

العقل الذي تحرّر من تقديس القوة، يرى الحقيقة ببساطة.

في الذبح تسليم لأن الوجهة واحدة

أعظم اختبار وأوضح ثمرة.

﴿يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَىٰ فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ﴾ سورة الصافات: الآية 102

قلب لم يتعلّق إلا بالله، لم يجد صعوبة في تقديم أعزّ ما يملك، لأنه لم يكن يملك أصلًا كان مستخلَفًا.

ولهذا خُتم المشهد بـ:

﴿قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا﴾ سورة الصافات: الآية 105

لم يقل: نفّذت، بل قال: صدّقت. لأن الحنفية تصدّق قبل أن تُنفّذ.

ماذا يعني هذا لنا اليوم؟

يعني أن سؤالنا الحقيقي ليس هل أنا مسلم؟

بل:

  • هل قلبي حنيف فعلًا؟
  • هل صفّيت وجهتي؟
  • أم أنني أُسلِم بجسدي بينما قلبي موزّع؟

قد نُصلّي، لكن نرجو غير الله.
وقد نلتزم، لكن نخاف غيره.
وقد نطيع، لكن نُشرك في الاعتماد.

وهنا يكون الخلل لا في الإسلام، بل في غياب الحنفية.

قبل أن تُغلق الصفحة اسأل نفسك بهدوء

هل ثباتي عند الاختبار ضعيف لأن إيماني ضعيف؟
أم لأن حنيفتي لم تكتمل بعد؟

فإبراهيم لم يثبت لأنه نبي فقط، بل لأنه حرّر قلبه قبل أن يُمتحَن.

قبل أن تُغلق الصفحة اسأل نفسك بهدوء

التعليقات


الأقسام

أحدث المقالات

الأكثر مشاهدة

خدمات المركز

نبذة عنا

نؤمن أن النزاهة الأكاديمية هي الأساس الذي تقوم عليه الجودة البحثية والتميز العلمي. لذلك نلتزم التزامًا كاملاً بتطبيق أعلى معايير الأمانة، والشفافية، والاحترام في كل ما نقدمه من خدمات تعليمية وبحثية واستشارية. نحن لا نُقدّم حلولاً بديلة عن جهد الباحث، بل نقدم إرشادًا أكاديميًا مسؤولًا يساعد الطلاب والباحثين على تطوير مهاراتهم البحثية، وتعزيز قدراتهم على التحليل العلمي، والالتزام بمعايير البحث الرصين. ترتكز خدماتنا على الدعم التعليمي الأخلاقي الذي يسهم في تمكين الباحث من إنتاج عمل علمي أصيل يعبّر عن فكره وجهده.

اتصل بنا

فرع:  الرياض  00966555026526‬‬ - 555026526‬‬

فرع:  جدة  00966560972772 - 560972772

فرع:  كندا  +1 (438) 701-4408 - 7014408

شارك:

عضو فى

وزارة الاستثمار السعودية المركز السعودي للأعمال المرصد العربي للترجمة المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم هيئة الأدب والنشر والترجمة

دفع آمن من خلال

Visa Mastercard Myfatoorah Mada Urpay stc pay Barq

موافقة على استخدام ملفات الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات الارتباط (Cookies) لتحسين تجربتك أثناء التصفح، ولمساعدتنا في تحليل أداء الموقع.