لأن الفهم يحمّلنا مسؤولية. الجاهل قد يُعذَر، أما الفاهم فمطالب.
ولهذا نخاف من الوعي أكثر مما نخاف من الجهل؛ فالجهل يُبقيك كما أنت، أما الفهم… فيُجبرك على التغيير.
ولهذا قيل على سبيل الدعابة التي تخفي حقيقة ثقيلة إن معركة الوعي تبدأ بتوريط الصالحين.
ليس المقصود إفسادهم، بل كشفهم لأنفسهم.
أن تُورَّط في الوعي يعني أنك بعده لن تعود كما كنت قبله.
كنت صالحًا تفعل، ثم صرت واعيًا تسأل:
لماذا أفعل؟ ولمَن؟ وبأي أثر؟
وهنا يبدأ التحوّل الحقيقي فالطاعة بعد الفهم لم تعد حركة تلقائية، بل اختيارًا واعيًا.
لكن هذا الاختيار له ثمن؛ أنه لا يسمح لك أن تختبئ خلف العادة، ولا أن تكتفي بحُسن النيّة، ولا أن تمارس الامتثال وأنت غائب عن المعنى.
ولهذا يفضّل بعض الناس الامتثال الصامت؛ لأنه أخفّ على النفس، ولا يُربك الداخل، ولا يطالب بإعادة ترتيب الأولويات.
غير أن الامتثال الذي لم يمرّ على الفهم قد يُنجز الفعل، لكنه لا يبني الإنسان. أما الطاعة التي وُلدت من وعي، فقد تكون أثقل في البداية، لكنها أصدق، وأثبت، وأقرب إلى روح الدين الذي لم يُرِد لنا صلاحًا هشًّا، بل وعيًا صالحًا يعرف، ثم يختار، ثم يثبت.