ابدأ طلبك الأكاديمي
صوتك مسموع
راسلنا
×

التفاصيل

التديّن ليس كثرة أفعال بل سلامة فهم

2026/01/14   الكاتب :د. يحيى سعد
عدد المشاهدات(5)

كيف نفهم التديّن بشكل صحيح؟

حين نُكثر العمل ونُخطئ الطريق كثيرون يسألون:
ماذا أفعل لأكون متديّنًا أكثر؟

وقليلون يتوقفون عند السؤال الأهم:
هل ما أفعله أصلًا هو ما يريده الله مني؟

بين السؤالين مسافة شاسعة، تشبه الفرق بين من يسير مسرعًا ومن يسير في الاتجاه الصحيح.

حين نخلط بين الكثرة والصواب

نعيش في زمنٍ يُقاس فيه كل شيء بالعدد:
عدد الإنجازات، عدد المتابعين، عدد النتائج.

وتسلّل هذا المنطق – بهدوء – إلى فهمنا للتديّن، فصار التديّن عند بعضنا
قائمة أفعال تُنجز، كلما كثرت… شعرنا بالاطمئنان.

لكن الكثرة لا تعني الصحة، والانشغال لا يعني القرب، والحركة لا تعني الهداية.

كم من إنسانٍ أجهد نفسه بالطاعات، لكن قلبه لم يتحرّك خطوة.

الفعل بلا فهم تعب بلا ثمرة

الفعل حين ينفصل عن الفهم، يشبه من يحرث أرضًا في غير موسمها؛ يتعب كثيرًا، ولا يحصد شيئًا.

الله لا يريد منا الحركة فقط، بل الوعي بالحركة.
ولا يريد كثرة العمل بقدر ما يريد سلامة القصد وصحة المسار.

فالعمل في الإسلام ليس استعراض جهد، بل استجابة واعية لأمرٍ مفهوم.

ولهذا، كان أوّل ما نزل من الوحي لم يكن أمرًا بالفعل، بل بالقراءة قراءة تُنجب فهمًا، وفهمًا يُنجب عملًا.

الصحابة حين كان الفهم سابقًا للفعل

لم يكن الصحابة يندفعون إلى العمل قبل أن يستقرّ المعنى في قلوبهم.
كانوا يدركون أن الفعل بلا فهم قد يُكثر الحركة… ولا يصنع إنسانًا.

ولذلك لم يبدأ النبي ﷺ معهم بكثرة التكاليف، ولا بطول القوائم، بل بدأ بتأسيس الداخل.

يقول الصحابي واصفًا هذا المنهج العجيب:
كان يعلّمنا الإيمان، ثم يعلّمنا القرآن، فنزداد به إيمانًا.

كان الإيمان يُبنى أولًا:
من نعبد؟ ولماذا نطيع؟ ومن نرجو؟ وممّن نخاف؟

حتى إذا نزل القرآن، لم ينزل على فراغ، بل على قلوبٍ تعرف ربها، فتفهم خطابه، وتتلقّاه كأنه موجَّه لها الآن.

لم يكن القرآن عندهم معلومات تُضاف، ولا محفوظات تُكدّس، بل نورًا يوقظ، وسؤالًا يُربك، وأمرًا يُطاع.

كل آية كانت تُغيّر شيئًا في الداخل، ثم يظهر أثرها في الخارج.
ولهذا لم تكن الكثرة معيارهم، بل التحوّل.

أما نحن اليوم، فكثيرًا ما نعكس المسار.
نبدأ بالفعل قبل الفهم، وبالالتزام قبل الإدراك، وبالكثرة قبل الرسوخ.

نحفظ قبل أن نعرف لماذا نحفظ، ونعمل قبل أن نسأل:
هل هذا ما يريده الله مني فعلًا؟

فنُرهق أنفسنا، ونستغرب لماذا لا يتغيّر القلب، ولا تستقيم الأخلاق، ولا يهدأ الصراع في الداخل.

قلب لم يُهيَّأ للتلقّي لماذا لا يؤثّر فينا القرآن؟

ليس كل من سمع انتفع، ولا كل من قرأ تغيّر.

فالقرآن نور، لكن النور لا يستقرّ في قلبٍ مزدحم، ولا ينعكس في قلبٍ مغطّى بالغبار.

القلب الذي لم يُهيَّأ للتلقّي يشبه إناءً مقلوبًا؛ الماء موجود، لكن لا شيء يدخل.

نشتكي أن القرآن لا يحرّكنا كما كان يحرّكهم، ونسأل: أين الخلل؟ والخلل – في الغالب ليس في الآيات، بل في القلوب التي صارت تسمع دون إنصات، وتقرأ دون حضور، وتعمل دون حياة.

ما الذي يُغلق القلب دون أن نشعر؟

أخطر ما يُصيب القلب أنه لا يُغلَق فجأة، بل بالتدريج:

ذنب لم يُراجع، عادة لم تُسائل، انشغال دائم بلا خلوة، عمل صالح بلا نية متجددة، علم بلا خشية.

حتى يمتلئ القلب بالضجيج، فإذا جاءه القرآن، لم يجد مكانًا فارغًا.

كيف نُهيّئ القلوب؟

تهيئة القلب ليست مقامًا غامضًا، ولا حالة مثالية بعيدة، بل خطوات صادقة، متدرجة:

الصدق قبل الفهم أن تدخل على القرآن لا لتُثبت أنك على صواب، بل لتُصلِح إن كنت على خطأ.

إفراغ القلب قبل ملئه فالقرآن لا يسكن قلبًا مثقَلًا بالعُجب، أو مشغولًا بالخصومات.

أن نقرأ وكأن الخطاب موجَّه لنا
أن نسأل مع كل آية: ماذا تريد مني الآن؟
لا: على من تنطبق هذه الآية غيري؟

العمل الصغير الصادق آية تُفهم، ثم تُعمل، ثم يُحافَظ عليه أقرب إلى تهيئة القلب من كثير بلا أثر.

الاستمرار لا الحماس فالقلوب لا تتغيّر بالاندفاع، بل بالثبات.
قليل دائم خير من كثير منقطع. وحين يُهيَّأ القلب، لا يعود القرآن كتابًا نقرأه، بل رفيق طريق يزيد الإيمان، ولا يضيف عبئًا.

التديّن الذي لا يغيّرك لا يكفي

إذا لم يغيّر التديّن أخلاقك، وعدلك، وطريقة اختلافك، فثمّة خلل ولو كثرت الأفعال.

وإذا لم ينعكس على قراراتك، وعلاقاتك، ونظرتك للناس، فاسأل نفسك بصدق:
ما الذي نفعله إذًا؟

التديّن الحقيقي لا يُقاس بعدد الركعات فقط، بل بصدق الأثر في الحياة.

من كثرة الأفعال إلى سلامة الفهم

لسنا مطالبين أن نفعل أقل، بل أن نفهم أكثر.

أن نعيد ترتيب العلاقة:
فهم → نية → عمل.

فإذا صحّ الفهم، استقام العمل.
وإذا فسد الفهم، تعبنا كثيرًا بلا ثمرة.

ولهذا، كان أخطر ما يُصيب التديّن أن يتحوّل إلى عادة متكررة، لا إلى وعي متجدد.

قبل أن تُغلق الصفحة اسأل نفسك بهدوء

هل ما أفعله اليوم، لو سألني الله عنه غدًا، أستطيع أن أقول:
فهمت ثم عملت؟

أم سأقول:
وجدت الناس يفعلون ففعلت؟

التديّن ليس كثرة أفعال، بل صدق فهم، وصحة قصد، وعمل يترك أثرًا.

قبل أن تُغلق الصفحة اسأل نفسك بهدوء

التعليقات


الأقسام

أحدث المقالات

الأكثر مشاهدة

خدمات المركز

نبذة عنا

نؤمن أن النزاهة الأكاديمية هي الأساس الذي تقوم عليه الجودة البحثية والتميز العلمي. لذلك نلتزم التزامًا كاملاً بتطبيق أعلى معايير الأمانة، والشفافية، والاحترام في كل ما نقدمه من خدمات تعليمية وبحثية واستشارية. نحن لا نُقدّم حلولاً بديلة عن جهد الباحث، بل نقدم إرشادًا أكاديميًا مسؤولًا يساعد الطلاب والباحثين على تطوير مهاراتهم البحثية، وتعزيز قدراتهم على التحليل العلمي، والالتزام بمعايير البحث الرصين. ترتكز خدماتنا على الدعم التعليمي الأخلاقي الذي يسهم في تمكين الباحث من إنتاج عمل علمي أصيل يعبّر عن فكره وجهده.

اتصل بنا

فرع:  الرياض  00966555026526‬‬ - 555026526‬‬

فرع:  جدة  00966560972772 - 560972772

فرع:  كندا  +1 (438) 701-4408 - 7014408

شارك:

عضو فى

وزارة الاستثمار السعودية المركز السعودي للأعمال المرصد العربي للترجمة المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم هيئة الأدب والنشر والترجمة

دفع آمن من خلال

Visa Mastercard Myfatoorah Mada Urpay stc pay Barq

موافقة على استخدام ملفات الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات الارتباط (Cookies) لتحسين تجربتك أثناء التصفح، ولمساعدتنا في تحليل أداء الموقع.