ليس كل من سمع انتفع، ولا كل من قرأ تغيّر.
فالقرآن نور، لكن النور لا يستقرّ في قلبٍ مزدحم، ولا ينعكس في قلبٍ مغطّى بالغبار.
القلب الذي لم يُهيَّأ للتلقّي يشبه إناءً مقلوبًا؛ الماء موجود، لكن لا شيء يدخل.
نشتكي أن القرآن لا يحرّكنا كما كان يحرّكهم، ونسأل: أين الخلل؟ والخلل – في الغالب – ليس في الآيات، بل في القلوب التي صارت تسمع دون إنصات، وتقرأ دون حضور، وتعمل دون حياة.
ما الذي يُغلق القلب دون أن نشعر؟
أخطر ما يُصيب القلب أنه لا يُغلَق فجأة، بل بالتدريج:
ذنب لم يُراجع، عادة لم تُسائل، انشغال دائم بلا خلوة، عمل صالح بلا نية متجددة، علم بلا خشية.
حتى يمتلئ القلب بالضجيج، فإذا جاءه القرآن، لم يجد مكانًا فارغًا.
كيف نُهيّئ القلوب؟
تهيئة القلب ليست مقامًا غامضًا، ولا حالة مثالية بعيدة، بل خطوات صادقة، متدرجة:
الصدق قبل الفهم أن تدخل على القرآن لا لتُثبت أنك على صواب، بل لتُصلِح إن كنت على خطأ.
إفراغ القلب قبل ملئه فالقرآن لا يسكن قلبًا مثقَلًا بالعُجب، أو مشغولًا بالخصومات.
أن نقرأ وكأن الخطاب موجَّه لنا
أن نسأل مع كل آية: ماذا تريد مني الآن؟
لا: على من تنطبق هذه الآية غيري؟
العمل الصغير الصادق آية تُفهم، ثم تُعمل، ثم يُحافَظ عليه أقرب إلى تهيئة القلب من كثير بلا أثر.
الاستمرار لا الحماس فالقلوب لا تتغيّر بالاندفاع، بل بالثبات.
قليل دائم خير من كثير منقطع. وحين يُهيَّأ القلب، لا يعود القرآن كتابًا نقرأه، بل رفيق طريق يزيد الإيمان، ولا يضيف عبئًا.