ابدأ طلبك الأكاديمي
صوتك مسموع
راسلنا
×

التفاصيل

هل كلّ ما ورثناه صحيح؟

2026/01/14   الكاتب :د. يحيى سعد
عدد المشاهدات(9)

كيف تتحقق من صحة ما ورثته؟

قراءة وجدانية في الموروث حين يطمئن القلب… ويغيب الوعي

لم يولد أكثرنا وهو يسأل، بل وُلد وهو يتلقّى.

فتحنا أعيننا على عبارات جاهزة، وأجوبة محفوظة، وصورٍ للتديّن لم نعرف متى تشكّلت، ولا كيف استقرّت. كبرنا معها، ألفناها، حتى صارت جزءًا منّا… ثم سمّيناها يقينًا.

لكن، هل كل ما ألفناه حق؟
وهل القِدم دليل صدق؟
أم أن بعض الأخطاء، حين تطول إقامتها، تتقن فنّ التنكّر في هيئة الحق؟

الموروث حين يمنح الطمأنينة ويُطفئ السؤال

الموروث يمنح شعورًا بالأمان، كطريقٍ معروف نسير فيه دون أن نلتفت.
غير أن الخطر لا يكمن في الطريق، بل في أن نتوقف عن النظر.

ليس كل ما ورثناه خطأ، بل كثير منه حقّ وجميل، لكن المأزق يبدأ حين نغلق باب المراجعة بحجة:
هكذا وجدنا.

فالذي لا يراجع، لا يصحّح، والذي لا يصحّح، يكرّر، ولو كان التكرار يقوده في الدائرة نفسها، ثم يتعجب لماذا لم يصل.

بين الدين والتديّن

هنا ينبغي أن نهمس، لا أن نصرخ.

الدين وحيٌ نازل من السماء، ثابت، محفوظ، معصوم.

أما التديّن، فهو محاولة بشرية للصعود إليه.
وقد تصيب، وقد تتعثّر.

المشكلة ليست في الخطأ، فالخطأ جزء من إنسانيتنا، لكن المصيبة حين نمنح فهمنا البشري قداسة النص، ونغضب إن سُئل، ونرتاب إن نوقش.

كم من عادةٍ صارت عبادة، وكم من اجتهادٍ صار دينًا، لا لأنه صواب بالضرورة، بل لأنه اعتاد البقاء.

ورثنا الكتاب حين تتحوّل النعمة إلى غفلة

نقول بثقة نحن أمة القرآن
ونقولها مطمئنين أكثر مما ينبغي.

نعم، ورثنا الكتاب، وهذا شرف عظيم، لكن الشرف إن لم يُرعَ، صار امتحانًا.

فالذي يرث أرضًا ولم يحرثها، تغطيها الأعشاب.
والذي يرث كتابًا ولم يعشه، يبقى بين يديه دون أن يصل إلى قلبه.

المشكلة ليست أننا ورثنا القرآن، بل أننا ورثناه دون أن نرث حال التلقّي.

نقرأ لكن لا نعيش الخطاب

نقرأ الآيات، لكننا لا نتدبّر، ولا نتساءل، ولا نعيش تلك اللحظة التي عاشها الصحابة
حين كانوا يتلقّون القرآن وكأن السماء تُخاطبهم الآن.

كان الواحد منهم إذا سمع الآية، توقّف قلبه قبل لسانه، وشعر أن الخطاب مقصودٌ به، أن هذا كلام الله… له، لا عن غيره.

أما نحن، فكثيرًا ما نقرأ أو نحفظ، ثم نمضي كما نمضي من صفحةٍ إلى أخرى، كأن الآيات وُجِّهت لقومٍ سبقونا، لا لنا نحن، ولا لواقعنا، ولا لقراراتنا، ولا لاختلافاتنا.

والقرآن لم يُنزَل ليُقرأ أو يُحفَظ فقط، بل ليُتدبَّر، ويُفهم، ثم يُترجَم عملًا يغيّر القرار، ويُقوِّم الميزان، ويُهذّب الخلاف.

فإذا غاب التدبّر، غاب الحضور، وبقي كلام الله بين أيدينا لكن بعيدًا عن حياتنا.

لماذا نخاف من السؤال؟

لأن السؤال يربك يقينًا اعتدناه، واليقين المعتاد أريح من الحقيقة الصادقة.

غير أن السؤال في الإسلام، ليس تمرّدًا على الإيمان، بل طريقًا إليه.

فالشك هنا ليس نقيض اليقين، بل مقدمته.
هو شكّ الباحث عن الحق، لا شكّ الهارب منه.

أما الشك الحداثي، فشيء آخر تمامًا؛ شكّ يتخذ من التساؤل غاية لا وسيلة، ومن الهدم بديلًا عن البناء، ومن الارتياب مقامًا دائمًا لا جسرًا يُعبر عليه.

ذلك شكّ لا يريد أن يصل، بل أن يبقى معلّقًا، لأن اليقين عنده خطر، والثبات تهمة.

أما في الإسلام، فالسؤال خطوة نحو الاطمئنان، والتفكّر عبادة، والبحث الصادق باب هداية.

ولولا هذا السؤال الحي، لما خرج الناس من جاهليتهم الأولى، ولما نزل الوحي على عقلٍ يتفكّر، لا على ذاكرة تردّد.

الخطر الحقيقي ليس في أن نسأل، بل في أن نموت ونحن لم نسأل يومًا:

هل نفهم ما نؤمن به؟
أم نكتفي بأن نؤمن لأننا اعتدنا؟

ومن هذا السؤال تحديدًا
تبدأ إشكالية أخرى لا تقل خطورة:
أن نختزل التديّن في كثرة الأفعال، فنحسب أن الصواب يُقاس بالعدد، لا بسلامة الفهم ولا بصدق الأثر.

قبل أن تُغلق الصفحة توقّف لحظة

لا تسأل نفسك كم تفعل؟
بل اسأل لماذا تفعل؟

فربّ فعلٍ كثير، لم يُقرّب صاحبه خطوة، وربّ فهمٍ صادق، غيّر المسار كلّه.

التديّن ليس سباق أرقام، ولا قائمة منجزة، بل علاقة حيّة، إن صلحت، صلح ما بعدها.

 

قبل أن تُغلق الصفحة توقّف لحظة

التعليقات


الأقسام

أحدث المقالات

الأكثر مشاهدة

خدمات المركز

نبذة عنا

نؤمن أن النزاهة الأكاديمية هي الأساس الذي تقوم عليه الجودة البحثية والتميز العلمي. لذلك نلتزم التزامًا كاملاً بتطبيق أعلى معايير الأمانة، والشفافية، والاحترام في كل ما نقدمه من خدمات تعليمية وبحثية واستشارية. نحن لا نُقدّم حلولاً بديلة عن جهد الباحث، بل نقدم إرشادًا أكاديميًا مسؤولًا يساعد الطلاب والباحثين على تطوير مهاراتهم البحثية، وتعزيز قدراتهم على التحليل العلمي، والالتزام بمعايير البحث الرصين. ترتكز خدماتنا على الدعم التعليمي الأخلاقي الذي يسهم في تمكين الباحث من إنتاج عمل علمي أصيل يعبّر عن فكره وجهده.

اتصل بنا

فرع:  الرياض  00966555026526‬‬ - 555026526‬‬

فرع:  جدة  00966560972772 - 560972772

فرع:  كندا  +1 (438) 701-4408 - 7014408

شارك:

عضو فى

وزارة الاستثمار السعودية المركز السعودي للأعمال المرصد العربي للترجمة المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم هيئة الأدب والنشر والترجمة

دفع آمن من خلال

Visa Mastercard Myfatoorah Mada Urpay stc pay Barq

موافقة على استخدام ملفات الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات الارتباط (Cookies) لتحسين تجربتك أثناء التصفح، ولمساعدتنا في تحليل أداء الموقع.