طلب خدمة
×

التفاصيل

تطور النظرية النقدية على يد هوركهايمر

2021/03/27   الكاتب :د. ريم الأنصاري
عدد المشاهدات(1239)
تطور النظرية النقدية على يد هوركهايمر

 

 

البعد المعرفي للنظرية النقدية عند مدرسة فرانكفورت 

المقال الثاني: تطور النظرية النقدية على يد هوركهايمر

 

كنا قد بدأنا في كتابة سلسة من المقالات المتعلقة برصد التحولات المعرفية التي رمت إلى نقد الواقع الاجتماعي، وساهمت في تطوير النظرية النقدية عند مدرسة فرانكفورت، وقد تكلمنا في المقال الأول الحاجة إلى تأسيس النظرية النقدية بعد الأحداث التي صدمت المجتمع الألماني في القرن العشرين؛ حيث رأى فلاسفة مدرسة فرانكفورت أن النقد هو الحل لإعادة بناء المجتمع وتأهيل أفراده، وقد تكلمنا عن الفرق بين النظرية النقدية والنظرية التقليدية، وما يميز كلا منهما عن الأخرى، فالمقال الأول كان بمثابة حجر الأساس للمقالات التالية، واليوم نبدأ في الوقوف عند أول محطتين من مراحل تطور النظرية النقدية عند فلاسفة مدرسة فرانكفورت، ونفرد هذا المقال للحديث عن ماكس هوركهايمر وثيودور أدورنو ونقدهما للتنوير.

 

ماكس هوركهايمر ونقد التنوير

تتجلى نقطة بداية التحولات المعرفية عند فلاسفة مدرسة فرانكفورت في تجديد ماكس هوركهايمر وأدورنو لنقد العقل وتجذير النقد، ويمكن الوقوف على ذلك في كتاب "جدل التنوير" فالفصل الأول يعبر عن التشابك بين المعقولية مع الواقع الاجتماعي وكذلك تشابك الطبيعة مع الهيمنة عليها ولا شك أن التشابك الثاني ليس بمنفصل عن الأول، والمؤلف يعبر عن الأطروحتين الآتيتين: "فالأسطورة بالذات نفسها قد صارت تنويرا، والتنوير قد يتحول إلى الميثولوجيا" (19: Adorno , 2004 , p ) ثم يواصل دعم هاتين الأطروحتين بمثالين، أولهما: جدلية الأسطورة والعقل في الأوديسة، باعتبارها أول دليل يمثل الحضارة البورجوازية الغربية، ويتناول المثال الثاني كانت ونيتشه اللذان قادا العقل إلى أقصى استتباعاته، ويهدف من ذلك محاولة البحث عن جواب السؤال: لماذا تتهاوى البشرية في شكل جديد من التوحش بدل الانخراط في ظروف إنسانية؟ والدافع لطرح هذا السؤال الجوهري يظهر جليا في ظاهرة اندماج الطبقة العمالية داخل النظام الرأسمالي وانطفاء وعيها الثوري، بالإضافة إلى صعود النازية كامتداد للرأسمالية ونجاحها في الهيمنة السياسية والأيديولوجية في أوروبا، ولا شك أن وجود أعضاء مدرسة فرانكفورت بالمهجر خلال هذه الفترة يشير إلى هذه الظاهرة.

لقد بدأ نقد التنوير باعتباره رمزا للحداثة الغربية وبوصفه واحدا من المبادئ الإنسانية التي قامت عليها الحداثة مثل: العقل والحرية واحترام الشخصية الإنسانية، ثم بدأ الفلاسفة بالرجوع إلى ما قبل الحداثة للوقوف أمام حقيقة نسيان العقل للنظر العقلي أو التفكير، ثم حصول فقدان وعيه بذاته ليتحول بعدها إلى وسيلة هيمنة وقمع يستخدمها اللا عقل. وأما رأس الهرم التي أراد النقد بلوغها هي انبثاق العقل من الأساطير والخرافات وبالتالي تصير الخرافة عقلا والطبيعة موضوعية صرفة ما يجعل العقل باسطا سيطرته على حدود معرفته، فما بدا جليا في تاريخ العقل هو ابتعاده عن الميثادولوجيا التي سببت تماهيا بين المعرفة والسلطة، فجدلية التنوير لا تحصر معنى الطبيعة فيما هو خارج عن الإنسان بل تضيف إليه معنى الطبيعة البشرية.

ولما كان تطور المعرفة الموضوعية بالطبيعة متواز مع تنامي الهيمنة عليها ضمن معقولية أداتية وبراغماتية أسقطت التفكير بالحقيقة وفي الغايات السامية أصبح الناس غرباء عن الطبيعة الخارجية وحتى عن طبيعتهم البشرية مما أدى إلى تحول الأفراد ببساطة إلى روبوتات فما يحدث هو شكل مشوه من الاستغلالية التكنولوجية والعلمية اللتان باتا تؤديان إلى منطقة شمولية فالأفراد يزدادون عجز عن الإتيان بأي فعل غير إطلاق الأحكام التقنية أو العاطفية بل وأصبح التصرف وفق الضمير وتخيل مجتمع حر أكثر صعوبة من أي وقت مضى، بل وزادت جاذبية الشمولية. كان في هذا إشارة إلى النقد المبكر للمادية المبتذلة والميتافيزيقا الحدسية. "وبالنسبة للوضعية التي اتخذت صفة العقل المتنور فإن كل رحلة في العوالم العقلية ليست محرمة وحسب، بل هي محض ثرثرة لا معنى لها" (47:Adorno and Horkheimer , 2006 , p ) جعلت من العالم عبارة عن حقائق جاهزة الصنع ومنفصلة عن الإطار الاجتماعي.

النظرية النقدية عند ماكس هوركهايمر وأدورنو تقول أنه لا يمكن للوعي حتى أن يتصور؛ لأن الفرد ظل مجهولا في علاقته بالأشياء أو بالموضوع فكان لزاما رفض استقلالها الاجتماعي لعدم تمكنها من التعبير عن نماذج السلوك الاجتماعي، وقد أكد ماكس هوركهايمر وأدورنو على أن الوضعية أدت إلى انخراط العقل بالميثولوجيا (اللا عقل) فيما يأتي:

  1. تقديس الواقعة: فبقدر ما تخضع الآلية العقلية لما هو موجود بقدر ما تعيد إنتاجه بشكل أعمى ويصبح الفكر تحصيل حاصل، يقول أدورنو: "إن إخضاع كل حقيقة واقعة إلى الشكلانية المنطقية التي تبدو كما لو كانت عقلانية ذاتية إنما تكتسب بفضل خضوع العقل الهادئ لما هو معطى مباشر " (48: Adorno , 2004 , p ).
  2. التعامل الطقوسي مع الرياضيات: فإن كل ما لا يطابق معايير الحساب والمنفعة يكون في موضع الشك والظن من قبل العقل، يقول ماكس هوركهايمر: "العلاقة الرمزية بين الواقع والحدث الأسطوري الذي يبدو جليا في الشعائر أو في مقولات العلم المجرد تظهر كما لو كانت مرسومة بشكل مسبق، أي أنه كما لو كان الواقع إعادة إنتاج للماضي" ( 49: Adorno . T and Horkheimer . M , 2006 , p).
  3. إقصاء الفن والدين: إلى درجة الشأن الشخصي فلا دخل للعلم فيه، كما الوقوع في تناقض حول الفلسفة بين اعتبارها شأنا ذاتية وردها إلى العلم أو اعتبارها علما.
  4. تؤكد العقلانية الحديثة: بأن التقنية هي جوهر العلم، لأنه لا يسعى إلى إنشاء مفاهيم وصور ولا يسعى إلى تحقيق سعادة المعرفة إنما يستثمر عمل وجهدهم الآخرين ليكون رأس المال فقد "أعطت الإحيائية روحة للشيء، أما الانتماء للصناعة فقد حول روح الإنسان إلى شيء. وبانتظار التخطيط الكلي تعطي الأداة الاقتصادية من ذاتها قيمة للطبائع، قيمة تحدد السلوك " (50: Adorno . T and Horkheimer . M , 2006 , p ).
  5. ظهور العلم بوصفه: أداة تحرر الإنسان من ناحية، كما ظهر أيضا أداة للهيمنة عليه واستلاب حريته من ناحية أخرى، وبهذا يكون العقل ساحة صراع بين متناقضات وهذا الصراع كشف بدوره عن خطأ الكليات الظاهر في مختلف مستويات العقل البراغماتي المنغلق، فكان المنهج النقدي الذي جاء في جدلية التنوير سبيلا لفهم منطق حركة العقل والحضارة عبر العقلانية الغربية داخل مجموع الحضارة الغربية.

حاولنا في هذا المقال تبسيط أفكار ماكس هوركهايمر وثيودور أدورنو، وتطويرهما للنظرية النقدية من خلال إحداث تحول معرفي وأبستمولوجيا يتمثل في نقد التنوير بوصفه واحدا من القيم التي تشكل الثقافة الغربية، وباعتباره واحدا من الأسس التي تأسست عليها الحداثة الغربية، وسنكمل في المقال القادم عرض أفكار ثيودور أدورنو خاصة فيما يتعلق بالجدل السلبي، ثم نعرج على هربرت ماركوز لنرصد لديه التحولات المعرفية المتعلقة بالنظرية النقدية والمتمثلة فيما يسمى الإنسان والبعد الواحد.

المراجع

1. Adorno, T. (2004). Negative dialectics, London: Taylor & Frances e-Library.

2. Adorno, T. and Horkheimer. M. (2006). Dialectic of enlightenment: Philosophical nuggets, Trans: George Katoorah, 1st, Tripoli: Dar al kitab al jaded.

3. Bronner, S. (2016). Critical theory: A very short introduction, Trans: Sara Adel, 1st ed, Cairo: Hindawi Foundation for Education and Culture.

4. Finlayson, J. (2016). Habermas: A very short introduction, Trans: Ahmed Alrouli, 1st ed, Egypt: Hindawi Foundation for Education and Culture.

5. Habermas, J. (1979). Communication and the evolution of society, Trans: cit.

6. Habermas, J. (1982). The Entwinement of Myth and Enlightenment, Op. Cit.

7. Habermas, J. (1996). Between facts and norms: contribution to discurse theory of law and democracy: William Rehg, Cambridge, MIT press.

8. Horkheimer. M., (1990). The traditional theory and the critical theory. Trans: Moustafa Alnawi, 1st ed, Casablanca: New success Publication.

9. Marcuse. H., (1988). One dimension man, Trans: George Tarabishi, 3rd ed, Beirut: House of Art.

10. Marcuse. H., (2011). Negative dialectic: Studies in critical theory, Trans: Mujahid Abhulmeniem, 1st ed, Dar al kalima for publishing and distribution.

 

 

للاطلاع على المقال الأول  أضغط هنا

التعليقات


الأقسام

أحدث المقالات

الأكثر مشاهدة

خدمات المركز

نبذة عنا

تؤمن شركة دراسة بأن التطوير هو أساس نجاح أي عمل؛ ولذلك استمرت شركة دراسة في التوسع من خلال افتتاح فروع أو عقد اتفاقيات تمثيل تجاري لتقديم خدماتها في غالبية الجامعات العربية؛ والعديد من الجامعات الأجنبية؛ وهو ما يجسد رغبتنا لنكون في المرتبة الأولى عالمياً.

المزيد

اتصل بنا

فرع:  السعودية  +966 560972772 - 00966555026526‬‬

المزيد
شارك:

جميع الحقوق محفوظة لموقع دراسة ©2017