طلب خدمة
×

التفاصيل

عقد البحث العلمي كعقد بيع المعلومات

2021/11/06   الكاتب :د. يحيى سعد
عدد المشاهدات(274)
عقد البحث العلمي كعقد بيع المعلومات

 

عقد البحث العلمي كعقد بيع المعلومات

 

إن العقود ذات الصبغة التقليدية لم تعد صالحة لمواكبة التَّطورات القائمة على مستوى المعاملات الفكرية، وهو ما أدى إلى أن تَستَحدث السوق المعرفية آلياتٍ وهياكل جديدة لتنظيم النشاط العلمي والإنتاج المعرفي، وإيجاد أطرٍ قانونية لعلاقاته البحثية بغيةَ الوصول إلى مقاصد تلك الأبحاث، واستجابة لمتطلباتها. مع الحرص على التكيُّف مع متطلبات كل مرحلة جديدة، ومسايرةِ كل تقدم يطرأ عليها، ولذا فإن الانتقال من العقود التقليدية إلى عقود البحث العلمي مثَّل محطة جديدة من محطات التطور العلمي المَبنيِّ على المعرفة العلمية.

فهو يتحرك في مجالات معرفية عديدة، إضافة إلى قدرته على التكيُّف مع الخيارات الخاصة للمهتمين بالبحث العلمي، بما هو شكل من أشكال تبادل المعلومات من الجهة المنتِجة (المؤلف) إلى الجهة المستقبِلة لهذه المعلومات والتي ستستخدمها لحاجات وسياقات أخرى.

 

تعريف عقد البحث العلمي

ثم إنه لا ريب في أن النواحي الاقتصادية المثمرة لهذا النوع من العقود، والنتائج المرجوة منه وتعدد المعاهدات التي تجمع بين طرفيه، والبنود التي يتضمنها، وانطلاقه من معلومات محددة، لا ريب أن كل ذلك يجعلنا أمام فئة من العقود (عقود البحث العلمي) لها خاصيتها التي تنسحب على مجموع معاهدات أطرافها، وتشتبك بعقود أخرى تشارك فيها المعرفة.

وقد وجدت هذه العقود مكانها في الفقه، على أنها من العقود "المركبة"، غير أن ذلك لا يمنع البحث حولها والسعي إلى فهم ماهيتها، حتى وإن أدى ذلك إلى التطرق إلى تصنيفها ومحاولة معرفة علاقة العقد الذي يعنينا هنا بالعقود التقليدية.

بيد أن ذلك لن يؤدي بنا إلى تجاهل كل العلاقات بين هذا العقد والعقود التقليدية، لأننا وإن كنا أمام عقد جديد وطارئ في إطاره الخارجي والالتزامات ذات الصبغة المعينة التي يتحتم الالتزام بها. إلا أنه قد تتجسد تلك المعاهدات وعلاقاتها بالمعاهدات الأخرى التي يلتزم بها الأطراف في العقود التقليدية.

 

  عقد البحث العلمي عقد بيع المعلومات

 

تعتبر عملية البيع عقدا من العقود التي تنقل الملكية، ويطرح عددا من الصعوبات لكونه يلتقي في كثير من مكوناته مع عقد البحث العلمي، فالعلاقة بينهما متشابكة جدا حيث أن المعلومات يمكن أن تحل محل عقد البيع، إضافة إلى أنه عقد من العقود التي تسمى بعقود "المعاوضة" وهو يبني معاهدات متكافئة تُلزم كلا الطرفين، ومحلُّه يمكن أن يكون أمورا مادية أو معنوية أو أي حقوق مالية أخرى. ولكي نجيب على ذلك سنأخذ مسألة بيع المعلومة وتقويمها، وذلك كالآتي:

 

  المطلب الأول: عرض مسألة بيع المعلومة

 

يرى بعض المختصين أن المعلومة يمكن أن تكون محلا لعقد البيع، لأن ما نقصده بتبادل المعلومة هو تنازل البائع عنها بشكل تام، أو أن تصير ملكيتها إلى المشتري ويمكنه حينئذ حرية التصرف بها على أي وجه كان. ثم إن مصطلح "عقود البيع" قد اتسع إلى الحد الذي يمكنه أن يحتوي كل شيء مادي أو غير مادي، وأن تكون كلها محلا له إذ لا مانع من ذلك.

ويعتقد سافتيه SAFATIER إضافة إلى ما سبق أن عقود بيع المعلومة ليست مثل عقود البيع التقليدية، لأن العقود الجديدة يمكن بموجبها تبادل سلع لامادية ثمناً لمبلغ مالي. ومن وجه آخر فإن التبادل هنا ليس اتتقال المِلْك كما في الحالات التقليدية، حيث تُتبادل الأشياء المادية، ولكنه تبادل للمعلومة التي هي شيء لامادي.

ولا بد أن نشير إلى أمر آخر، وهو أنه وإن كانت المعلومة بمثابة سلعة معنوية تكتسب بجهد كبير، إلا أنه يمكن تقويمها بالنقود، وهو ما يمكن الاستجابة له إزاء البحث العلمي، مثاله في ذلك مثال السلع اللامادية الأخرى، الاي يعترف الفقه بكونها نوعاً من المال.

ويتبين مما أسلفنا أن قياس عقود البحث العلمي بعقود البيع يعتمد على التالي:

 

  1. أن المعلومة أو الجهد العلمي الذي يصل إليه الكاتب يمكن اعتباره سلعة اقتصادية صالحة للاقتناء، وهي منتوج على هذا الرأي، لأن ثمة صلةً قانونية بينها وبين مَن وصل إليها وهو الكاتب، صلة يمكن قياسها بصلة المالك بالسلعة التي يملكها، ثم إنه لمَّا كانت السلعة المعنوية تُقَوَّمُ بالمال فيمكنها -إذن- أن تكون محلّاً لعقد.
  2. إذ يستحيل أن نقول بوجود مِلك دون وجود قيمةٍ للشيء محلِّ هذا المِلك. وهو ما يستلزم إمكانية التنازل عن هذا الشيء مقابل مبلغ نقديّ. وتعتبر عقود البيع أبرز الأنواع مُشاكَلةً لِذا التَّنازل؛ فالبيع في هذه الحالة ليس انتقالَ المِلْك كما في حالة تبادل شيءٍ ماديٍّ، بل هو انتقالُ معلومةٍ أو شيءٍ لاماديٍّ.
  3. ولا شك أن هذا التكييف يفي برغبة طرفي العقد، ما دام العقد لا ينطوي على ما ينقض حكم العقود التقليدية، لأن المقصود ببيع المعلومة طالما هي جزء من المعرفة- هو تخلي الكاتب عن معلومته بصورة تامة لتصير إلى ملكية المشتري، وهو المستفيد الذي يتسنى له حرية صريفها على أي وجه من الوجوه القانونية مطلقا، استعمالاً واستغلالا واستفادة، كما يمكنه من يدعي ملك هذه المعرفة. وهذا التخلي يأتي مقابل مبلغ مالي، فاستخدام المجهود المعرفي للمرء بغية الاستفادة مِن مقابل مالي، أمسى اليوم علامة من علامات هذا العصر، وبالتالي فإنه لا مناص من اعتبار عقود البحث العلمي عقود بيع، بل هو المنطق الصحيح.
  4. إن حقوق المؤلف فيما يتعلق بالمعلومة هي حق أي كاتب على ما يكتبه، فهو وحده المخول بنقل ملكيته إلى الغير، وبناءً عليه فإن حق المؤلف هو صلاحية قابلة للنقل والتبادل.

 

  المطلب الثاني: تقويم مسألة بيوع المعلومة

 

في الحقيقة، لا يمكن تنزيل قانون عقود البيع على عقود البحث العلمي نتيجة لأنهما مختلفان في البناء قانونيا، إذ تتضمن عقود البحث العلمي مكونات لا يقابلها مثلها في عقود البيع. إضافة إلى أنه لا يمكن جعل التكييف هذا محل تطبيق للدَّواعي التالية:

 

-  إن اعتبار المعلومة -التي هي جهد ذهني- صالحة لأن تحل محل عقد البيع يستلزم أن تكون في ملكية البائع قبل عملية البيع، والواقع أن المعلومة مشاع بين الناس، ولا يمكن ادعاء ملكيتها. وإن تم تخصيص المعلومة لتنحصر نتائجها على إنسان معين فلا يعني ذلك ضرورةً أنها صارت في مِلك هذا الشخص، لأن القانون وحده هو الذي يوجب الملكية عن طريق ترخيص خاصٍّ، كما في حالة "براءة الاختراع".

-  إنه من المتعذر الربط بين القيم المالية ومسألة المال، لأن العلاقة بينهما ليست ضرورية، إذ ثمة قيم اقتصادية ليست داخلة في الأموال. كما أن المسائل العلمية والأطروحات لا يمكن أن تحيط بها أو تصورها القيم الاقتصادية، وليس ضروريا أن تكونَ المعرفة ذات بُعدٍ ماليٍّ أو نقديّ. فالعلاقة إذن ليست ضرورية، ومن أمثلة ذلك أن البحث في مجال السياسة والقانون لا يكون ذا طابعٍ اقتصادي بالضرورة.

-  تقتضي عقود البيوع تبادل الأشياء بين الأطراف، وهو ما لا يمكن تجسيده فيما يتعلق بالمعرفة، حيث أنها تقوم على النظريات وإذا انتقلت تلك النظريات من طرف إلى آخر أصبحت لدى كل منهما.

ينبني على عقود البحث العلمي معاهدات تتخطى مراحل إبرام الاتفاق وتتواصل حتى بعد أن ينتهي الرابط القانوني بين البائع (المؤلف) والمشتري، وخاصة قضايا السرية والأمانة العلمية. والواقع أن القانون لا يوفر ضمانات بهذا الشأن.

 

يعتبر الوفاء بالسرية من المعاهدات ذات الطابع الخاص التي تَلزم المؤلف في عقود البحث العلمي.

 

  1. ليس للمشتري أن يصير إلى حالات التنفيذ الإجباري إذا قرر المؤلف التخلي عن إنتاج المعلومة، لأن علاقة المؤلف بالمعرفة-التي هي محل العقد- علاقةٌ خاصة جدا. ولا يكون حينئذ للمشتري إلا أن يطلب إيقاف عملية التعاقد، ويُطالب بالتعويض إذا كان ثَمة ما يبرره. وليس الحال هكذا في البيوع التقليدية إذا أخَلَّ البائع بمُقتضَيات العقد.

 

  1. لا يستطيع القاضي الالتجاء إلى نوايا الطرفين لمعرفة نوع العقد الذي يجمعهما، وخاصة في عقود البحث العلمي لأنه يتميز بوجود رابطة غير متكافئة بين الجهتين، لأن أحد الطرفين متفوق على الآخر اقتصاديا لما يتمتع به من نشاط علمي ومعرفي، بينما لا يُعوِّل الثاني على معرفة ولا تخصص يتَّصلان بالميدان الذي تعاقد فيه.

 

كانت كل تلك العوائق الأمر الذي دفعنا إلى البحث عن إيجاد حلول يمكن بها تكييفُ عقود البحث العلمي بين المؤلف والمشتري لتصير عقدا بالوكالة. كما يأتيكم الفصل التالي.

 

اقرأ أيضا: عقد البحث العلمي عقد وكالة

 

 

المراجع

 

  1. للمزيد راجع رأي كل MAGNIN ET) CHARBONNIER) المحال إليه في تأليف د. صبري حمد خاطر.

 

  1. ومثل ذلك البيانات الشخصية. راجع: د. سلسم عبد الله أحمد.

 

  1. كأنه الكتاب، على رأي فولتير الذي قال: "هو كالنار أستطيع أن أستفيد منها وأعطي للجار والجار الآخر وتبقى النار كما هي من دون نقص. نقلا عن ( Lucas).

 

 

المنهج الوصفي في البحث العلمي, مشكلة البحث العلمي , تعريف المقابلة في البحث العلمي , تعريف البحث العلمي, أنواع المقابلة في البحث العلمي , الفرق بين المصادر والمراجع , مدرسة التحليل النفسينموذج مشكلة البحثأنواع البحوث العلمية فرضيات البحث العلمي  , طرق جمع البيانات في البحث العلميأهداف البحث العلميكيفية إعداد ملخص بحث جاهز, نموذج الاستبيان في البحث العلمي, المدارس الفكرية في علم النفس,  

 

 

التعليقات


الأقسام

أحدث المقالات

الأكثر مشاهدة

خدمات المركز

نبذة عنا

تؤمن شركة دراسة بأن التطوير هو أساس نجاح أي عمل؛ ولذلك استمرت شركة دراسة في التوسع من خلال افتتاح فروع أو عقد اتفاقيات تمثيل تجاري لتقديم خدماتها في غالبية الجامعات العربية؛ والعديد من الجامعات الأجنبية؛ وهو ما يجسد رغبتنا لنكون في المرتبة الأولى عالمياً.

المزيد

اتصل بنا

فرع:  السعودية  +966 560972772 - 00966555026526‬‬

المزيد
شارك:

جميع الحقوق محفوظة لموقع دراسة ©2017