طلب خدمة
×

التفاصيل

عدد المشاهدات(629)
مدخل إلى نظرية المعرفة مصادر المعرفة وحدود المعرفة

مدخل إلى نظرية المعرفة

مصادر المعرفة وحدود المعرفة

 

هذا المقال مدخل إلى نظرية المعرفة، نستأنف فيه الكلام بإيجاز على ملخص نظرية المعرفة من حيث مصادرها وحدودها، ونرى كيف أجاب الفلاسفة عن الأسئلة الآتية: ما هي المصادر الذي يستقي منه الإنسان معرفته؟ وهل بإمكان الإنسان أن يصل إلى معرفة كل شيء أم أن لإمكاناته المعرفية حدوداً؟

لا يخفى على الباحثين أهمية نظرية المعرفة، فنظرية المعرفة من الضروريات التي ينبغي لكل باحث الإلمام بها، لذلك أردنا أن نكتب مقالين يكونا بمثابة مدخل إلى نظرية المعرفة، وقد كتبنا مقالاً بينّا فيه أهمية نظرية المعرفة، وعرضنا طرفاً من المباحث التي تعالجها نظرية المعرفة وهي المباحث المتعلقة بطبيعة المعرفة، ومذاهب الفلاسفة في طبيعة المعرفة وماهيتها، وها هو المقال الثاني نناقش فيه بقية المباحث التي تعالجها نظرية المعرفة، وهي حدود المعرفة ومصادر المعرفة، لنرى كيف أجاب الفلاسفة عن الأسئلة الآتية: ما هي المصادر الذي يستقي منه الإنسان معرفته؟ وهل بإمكان الإنسان أن يصل إلى معرفة كل شيء أم أن لإمكاناته المعرفية حدوداً؟

أولاً: مصادر المعرفة

بعد ما أشرنا في مقال سابق إلى مذاهب الفلاسفة في رؤيتهم لطبيعة المعرفة، ننتقل إلى الجزء الثاني من الكلام على نظرية المعرفة، وهو الكلام على مصادر المعرفة، والوسائل التي نستقي منها المعارف الإنسانية، ولا تخفى أهمية هذا الباب، ومنه تظهر أهمية نظرية المعرفة، إذ أن مصادر المعرفة وفرت مجالاً خصباً لاختلاف الفلاسفة، فمنهم من رأى أن العقل وحده هو الذي يستقل بإدراك المعارف، وهم العقليون وعلى رأسهم الفيلسوف الفرنسي الشهير (رينيه ديكارت)، ومنهم من رأى أن العقل من أكبر المصادر التي قد يتطرق إليها الغلط، فجعل الحس هو المصدر الوحيد للمعرفة، وهم التجريبيون وعلى رأس هؤلاء الفيلسوف الاسكتلندي (ديفيد هيوم)، ومنهم من جمع بين العقل والحس، وجعل كليهما من مصادر المعرفة وهم النقديون وعلى رأسهم الفيلسوف الألماني الشهير (إيمانويل كانت)، وفيما يلي سنبين كل مذهب بإيجاز.

أما أصحاب المذهب الأول وهم العقليون وعلى رأسهم (ديكارت) الذي عبر في كتابه (مقال في المنهج) عن رفضه الحس كمصدر من مصادر المعرفة، وقال بأن الحس يتخلله الخطأ وأن الحواس كثيراً ما تنخدع، فحتى صاحب البصر السليم إذا سار في الصحراء يرى السراب فيحسبه ماء، وهذا سليم البصر فكيف بغيره؟! مما حدا بالعقليين إلى رفض الحس كمصدر للمعرفة، لأن الحس إذا كان خاطئاً فإن المعرفة خاطئة ولا شك، وقد اعتمد (ديكارت) العقل مصدراً من مصادر المعرفة، فصدق العقل ضروري ومحتوم، فالعقل يدرك بالضرورة أن (1+1=2) وأن النقيضين لا يجتمعان في وقت واحد، وأن كل سبب لا بد له من مسبب، وغيرها من المبادئ العقلية الضرورية التي هي محل إجماع العقلاء.

وفيما يخص نظرية المعرفة وبالتحديد الإجابة عن سؤال مصادر المعرفة.. ذهب التجريبيون إلى رفض العقل، واعتبار الحس المصدر الوحيد للمعرفة السليمة، وكان على رأس أولئك التجريبيين الفيلسوف الإنجليزي (جون لوك) والفيلسوف الاسكتلندي (ديفيد هيوم)، ويشير الدكتور زكي نجيب محمود إلى سبب رفضهم للعقل وإيمانهم بالحس والتجربة فيقول: " وإنما نقول ذلك؛ لأن العقل بعد أن يتلقى ما يتلقاه من انطباعات حسيَّة لا يبقيها على حالها أفكارًا بينها وبين تلك الانطباعات تطابق، بل يتناولها بالتركيب حتى لتتكوَّن فيه صور مركبة لا تشبه في تركيبها هذا شيئًا مما تلقيناه من الحواس"

وأخيراً جاء رأي النقديين ويمثلهم الفيلسوف الألماني الشهير (إيمانويل كانت) الذي بسط نظريته وفصلها بوضوح في كتابه الشهير (نقد العقل المحض)، حيث رأى (كانت) أن المعرفة لا يمكن أن توجد عبر إحدى الطريقين فقط، أعني طريق الحس أو العقل، وإنما تنتج المعرفة الصحيحة من اجتماع المصدرين معاً: الحس والمعرفة، ولا شك أن هذا الرأي هو أصح الآراء، فقد أنتج لنا (كانت) مذهباً وسيطاً بين غلو الواقعية التجريبية وغلو المثالية العقلية؛ إذ أنه من ناحية اعترف بالإحساسات التي نتلقاها من الخارج كمادة أولية للمعارف، ومن ناحية أخرى أقر بفاعلية العقل واشتراكه في معالجة هذه الإحساسات في المدركات الحسية.

ثانياً: حدود المعرفة

وهذا هو المبحث الأخير من مباحث نظرية المعرفة، وهو يتعلق بالسؤال عن حدود المعرفة، وعن المدى الذي يمكن للإنسان بلوغه إن أتيحت له ظروف التحصيل، وللإجابة عن هذا السؤال يفترق الفلاسفة إلى ثلاثة مذاهب، فريق يرى أن المعارف الإنسانية ليس لها حدود تقف عندها، وفريق يرى أن الجهل الإنساني ليس لها حدود، وليس ثمت وسيلة تمكن الإنسان من المعرفة أصلاً، وأن المعرفة اليقينية مستحيلة، وأولئك هم الشكاكون، وفريق ثالث يرى المعرفة ممكنة لكن بحدود.

فالفريق الأول وهم الاعتقاديون، وهم أتباع المذهب العقلي وأتباع المذهب الحسي التجريبي، وكلاهما يرى أن المعرفة الإنسانية لا حدود لها، فالعقليون يرون إمكانية تحصيل جميع المعارف والعلوم من العقل، وأن كل المعارف يمكن أن تقوم على أساس صحيح من المبادئ العقلية المحضة، بينما يرى التجريبيون إمكانية تلقي كل المعارف والعلوم من العلم الحسي الضروري، الذي تنبني عليه كافة المعارف، وهذه المعارف ليس لها حد بشرط توفر الظروف المناسبة.

أما الفريق الثالث: فهم النقديون وعلى رأسهم الفيلسوف (إيمانويل كانت) والوضعيون وعلى رأسهم الفيلسوف وعالم الاجتماع (أوجست كونت) حيث يجعلون حدوداً للمعرفة الإنسانية الممكنة، فلا يمكن للمعرفة الإنسانية أن تتعدى تلك الحدود، وتتمثل حدود المعرفة الإنسانية في حدود الخبرة الحسية؛ إذ أن الخبرة الحسية كما يقول الدكتور زكي نجيب محمود: "هي المضمون الذي ينصب في مقولات العقل فتتكون بذلك معارفنا عن العالم الخارجي، وبغير هذه الخبرة الحسية تظل مقولات العقل فارغة جوفاء بغير موضوع، كما أنه لولا مقولات العقل التي فيها تجد الخبرة الحسية شكلًا وصياغةً لكانت عمياء بغير معنى."

 

وختاماً نقول: إن أهمية نظرية المعرفة لا تخفى وقد بينا ذلك بإيجاز في هذين المقالين، وهما ملخص نظرية المعرفة، ونحن نقدم هذين المقالين هدية إلى الباحثين في جميع المعارف والعلوم الطبيعية والتجريبية والإنسانية والمشتغلين بالفلسفة، ونرجو أن يصلح هذان المقالان بوصفهما مدخل إلى نظرية المعرفة.

 

مراجع يمكن الرجوع إليها:

  • الكرساوي، أحمد (2018) مدخل إلى نظرية المعرفة، مركز تكوين، المملكة العربية السعودية.
  • النشار، مصطفى (1995) نظرية المعرفة عند أرسطو، دار المعارف، القاهرة.
  • ديكارت، رينيه (1985) مقال عن المنهج، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة.
  • زكريا، فؤاد، (2018) نظرية المعرفة والموقف الطبيعي للإنسان، مؤسسة هنداوي، القاهرة.
  • كانت، إيمانويل، (2015) نقد العقل المحض، دار التنوير.
  • محمود، زكي نجيب (2017) نظرية المعرفة، مؤسسة هنداوي، القاهرة.

 

التعليقات


الأقسام

أحدث المقالات

الأكثر مشاهدة

خدمات المركز

نبذة عنا

تؤمن شركة دراسة بأن التطوير هو أساس نجاح أي عمل؛ ولذلك استمرت شركة دراسة في التوسع من خلال افتتاح فروع أو عقد اتفاقيات تمثيل تجاري لتقديم خدماتها في غالبية الجامعات العربية؛ والعديد من الجامعات الأجنبية؛ وهو ما يجسد رغبتنا لنكون في المرتبة الأولى عالمياً.

المزيد

اتصل بنا

فرع:  السعودية  +966 560972772 - 00966555026526‬‬

المزيد
شارك:

جميع الحقوق محفوظة لموقع دراسة ©2017