طلب خدمة
×

التفاصيل

عدد المشاهدات(3052)

مدخل إلى نظرية المعرفة 

أهمية نظرية المعرفة وطبيعة المعرفة

 

هذا المقال مدخل إلى نظرية المعرفة أو الإبستمولوجيا نتناول فيه أهمية نظرية المعرفة، ثم نشرع في بيان مباحث النظرية، وأول القضايا التي تعالجها وهي: طبيعة المعرفة، فهذا المقال يعد بمثابة مدخل إلى نظرية المعرفة، وبياناً موجزاً لآراء المدارس الفلسفية وإجابات الفلاسفة عن السؤال المعرفي التالي: ما طبيعة المعرفة بغض النظر عن نوع الحقيقة المعروفة؟

 

     مما يدل على أهمية نظرية المعرفة أنها تمثل الأساس الذي تقوم عليه كافة المعارف الإنسانية في شتى المجالات، فنظرية المعرفة أو الإبستمولوجيا تحاول الكشف عن ماهية المعرفة وطبيعتها، وما هي حدود المعرفة؟ وهل يمكننا معرفة الأشياء على ما هي عليه؟ وكيف نكتسب معارفنا؟ وما هي مصادر المعرفة؟ لذا فإن اعتماد التجارب السريرية مثلاً دليلاً تقوم عليه الممارسة الطبية يرجع أصلاً إلى اعتماد التجربة والحس كمصدر من مصادر المعرفة، وفي المقابل إذا رأى أحد الأطباء حلماً يرشده إلى علاج أحد الأمراض باستخدام دواءِ ما.. لم يجز له أن يستعمل ذلك الدواء، ولو وصفه لمريض لكان مجرماً مستحقاً للعقاب أمام القانون؛ فإن الأحلام ليست مصدراً من مصادر المعرفة، وهذا مما يدلك على أهمية نظرية المعرفة بوصفها أساساً لبناء المعارف الإنسانية بصفة عامة.

      والمعرفة هي أحد المباحث الأساسية التي تقوم عليها الفلسفة، فالفلاسفة منذ القديم أعملوا عقولهم في مسائل المعرفة والجمال والحسن والقبح والأخلاق، وقد يحسب البعض أن نظرية المعرفة أو الإبستمولوجيا من المباحث الفلسفية المتخصصة التي لا يتأتى العلم بها لجميع الناس، والحق أن أهمية نظرية المعرفة لا تخفى، ولا بد لجميع الناس من فهمها بوصفها الأساس الذي يمكن من خلاله قبول العلوم والمعارف والتعامل مع هذه العلوم، بل والتعامل مع الحياة بصفة عامة، فكما يروي أفلاطون في محاوراته كان في زمانه طائفة يسمون أنفسهم السفسطائيون أو السفسطائية، وقد أنكروا كل الحقائق البديهية والمعارف الأساسية، ومن ذلك أن ينكر أحدهم العلم بوجوده أو عدمه، وادعوا استحالة العلم بالأشياء أو حقائقها، وأنه لا دليل على أن 1+1=2 وغير ذلك من الضلالات العقلية التي أفسدت الحياة العقلية والاجتماعية، وبذلك أصبحت حياة هؤلاء السفسطائيون بعيدة كل البعد عن الحياة العقلية السوية، وهو ما حدا بالفلاسفة، وعلى رأسهم أفلاطون وأرسطو، إلى محاورتهم بعد النظر في أصل المعارف، ليقدموا رؤيتهم لحقيقة المعرفة وحدوها ومصادرها، وبالنظر إلى أهمية نظرية المعرفة.. نقدم هذا المقال بمثابة مدخل إلى نظرية المعرفة، نتناول فيه أهمية نظرية المعرفة وطبيعة المعرفة.

أولاً: أهمية نظرية المعرفة

قد يسأل سائل عن أهمية نظرية المعرفة، أو الثمرة المرجوة لدراسة آراء المدارس المختلفة فيما يتعلق بنظرية المعرفة، ولا شك أن نظرية المعرفة تمنحك مفاتيح الفهم والإدراك والتصور والتحليل والاستنتاج والنقد لكل ما يتعلق بالمعارف الإنسانية، فكل معرفة يمكن فهم طبيعتها أو قبولها أو ردها بناء على المواقف المعرفية التي تتبناها، وهنا تكمن أهمية نظرية المعرفة، وعموماً يمكن حصر أهمية نظرية المعرفة في ثلاث نقاط:

  1. أهمية نظرية المعرفة بوصفها أساساً وركيزة ضرورية تقوم عليها فلسفات العلوم المختلفة كالطب أو الفيزياء وغيرهما، فنظرية المعرفة تهتم أصلاً بمصادر المعارف والعلوم، وبالتالي فإن كل باحث مشتغل بالبحث العلمي لا بد وأن يتخذ من نظرية المعرفة أساساً معرفياً ينطلق منه في عمليات الفهم والتحليل والاستنباط والاستقراء، ليعلم متى تصلح التجربة ومتى تكون عديمة الفائدة، فمثلاً يقوم الطب على أساس التجربة والخبرة الحسية، ومن ثم فإن الاعتماد على الاستنباط العقلي المحض لا يجدي نفعاً، وعلى النقيض تماماً تقوم الرياضيات على أساس عقلي تجريدي محض لا صلة له غالباً بالحس.
  2. أهمية نظرية المعرفة في توجيه الباحث توجيهاً صحيحاً، فإن الباحث إذا عرف المصادر الصحيحة التي ينبغي أن تؤخذ بعين الاعتبار استطاع أن يستخدم تلك المصادر في البحث وإثراء العلوم، وعلى النقيض تماماً.. إذا لم يكن على علم بنظرية المعرفة ومصادر المعرفة، فإنه يخبط خبط عشواء، حتى إنه ليرى المصادر متعارضة والأدلة متناقضة، مما ينبئك عن أهمية نظرية المعرفة في هداية الباحث وتوجيهه.
  3. أهمية نظرية المعرفة في فهم مراتب المباحث العلمية وإدراك ثقافات واضعيها، فمما لا شك فيه أن العلوم لا تنفك عن واضعيها وإنما تتصل اتصالاً وثيقاً بثقافة واضعيها، ولا شك أن كثيراً من تلك الثقافات لا تتناسب وكل المجتمعات أو الأديان، وبالتالي فإن تلك العلوم تحمل ما هو قطعي الثبوت ويستحيل غلطه، وتحمل نظريات ظنية الثبوت يمكن أن تكون خطأ، وحينئذ يمكن ردها أو التوقف في قبولها وفرضها باعتبارها مسلمات يقينية، ولا شك أن إدراك هذه الفروق وتمييزها يختص به العالمون بنظرية المعرفة.

 

 

ثانياً: طبيعة المعرفة

تناول العديد من الفلاسفة طبيعة المعرفة وماهيتها باعتبارها السؤال الأول ضمن نظرية المعرفة، وآراؤهم في ذلك تجمعها ثلاثة مذاهب، وهي: المدرسة الواقعية والمدرسة البرجماتية والمدرسة المثالية، فأصحاب المدرسة الواقعية يرون أن المعرفة هي بمثابة الصورة لما يوجد في العالم من أشياء وما يجري فيه من وقائع وأحداث؛ فالحقائق الخارجية إذاً هي بمثابة الأصل، وإدراكنا لها هو بمثابة الصورة، فإذا نظرت إلى المكتب وقلت إنه مستطيل الشكل أو بني اللون؛ فذلك لأن هناك في الواقع شكلاً مستطيلاً ولوناً بنيّاً لا دخل لعقلك في حدوثهما، وإنما تنحصر وظيفة عقلك في رسم صورة ذهنية للمكتب له، وقل مثل ذلك في المعرفة، فمعرفة الشيء إما أن تكون مطابقة له، وإما أن تكون معرفته على خلاف ما هو به، فتكون الصورة مشوهة أو ناقصة أو شبه تامة.

أما البراجماتيون فإنهم حين أعملوا عقولهم في الإجابة عن سؤالات نظرية المعرفة، نظروا إلى طبيعة المعرفة نظرة مختلفة حيث لم يجعلوا المعرفة مجرد تصوير للعالم كما فعل الواقعيون، وإنما جعلوها وسيلة للسلوك العملي؛ فالفكرة ما دامت في ذهنك ولم تؤدٍ بك إلى عمل أو سلوك لا تكون فكرة، إنما هي في حكم العدم عند البراجماتيين، وبالمثال يتضح المقال، فإذا كنت تسير في الطريق ورأيت النور الأحمر في إشارة المرور وعرفت أنه اللون الأحمر، فمعنى هذا أن ما رأيته وما عرفته هو صورة للواقع، هذا على مذهب الواقعيين، أما البراجماتيون فإنهم لا يعتبرون إدراكك للون الأحمر معرفة إلا إذا هداك إلى عدم المرور، والخلاصة أن المعرفة عند البراجماتيين هي ما أنتجت عملاً وسلوكاً.

أما أصحاب المدرسة المثالية فإنهم يخالفون أصحاب المذهبين السابقين في أصل مهم من أصول نظرية المعرفة، وهو أصحاب المذهبين السابقين اتفقوا على أن هناك وجوداً للأشياء في الواقع خارج الذهن، أما المثاليون فإنهم يقولون: ليس هناك أصل خارج الذهن وصورة عقلية داخل الذهن، فمعرفة الشيء هي نفس وجود الشيء، وهم بهذا لا يقرون بوجود عالم خارجي أصلاً، ويرون أنه لا وجود لشيء خارج العقل، فمعرفتك بالقلم الذي أمامك هي نفسها القلم. فهذه هي المذاهب الرئيسية الثلاثة التي تندرج تحتها مذاهب الفلاسفة فيما يخص السؤال عن طبيعة المعرفة.

 

وأخيراً نرجو أن يكون هذا المقال وافياً بمقصوده معبراً عن ملخص نظرية المعرفة في نظر الفلاسفة، وطبيعة المعرفة بحسب الفلاسفة ومدارسهم، وأهمية نظرية المعرفة بالنسبة للباحثين والطلاب المشتغلين بالعلوم الطبيعية والمعارف الإنسانية، وسنتبع هذا المقال بمقال آخر يكشف عن مصادر المعرفة لدى الفلاسفة على اختلاف مدارسهم المعرفية، ليكون المقالان بمثابة مدخل إلى نظرية المعرفة.

مراجع يمكن الرجوع إليها:

  • الكرساوي، أحمد (2018) مدخل إلى نظرية المعرفة، مركز تكوين، المملكة العربية السعودية.
  • النشار، مصطفى (1995) نظرية المعرفة عند أرسطو، دار المعارف، القاهرة.
  • ديكارت، رينيه (1985) مقال عن المنهج، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة.
  • زكريا، فؤاد، (2018) نظرية المعرفة والموقف الطبيعي للإنسان، مؤسسة هنداوي، القاهرة.
  • كانت، إيمانويل، (2015) نقد العقل المحض، دار التنوير.
  • محمود، زكي نجيب (2017) نظرية المعرفة، مؤسسة هنداوي، القاهرة.

التعليقات


الأقسام

أحدث المقالات

الأكثر مشاهدة

خدمات المركز

نبذة عنا

تؤمن شركة دراسة بأن التطوير هو أساس نجاح أي عمل؛ ولذلك استمرت شركة دراسة في التوسع من خلال افتتاح فروع أو عقد اتفاقيات تمثيل تجاري لتقديم خدماتها في غالبية الجامعات العربية؛ والعديد من الجامعات الأجنبية؛ وهو ما يجسد رغبتنا لنكون في المرتبة الأولى عالمياً.

المزيد

اتصل بنا

فرع:  الرياض  +966 560972772 - 00966555026526‬‬

فرع:  جدة  +966 560972772 - 00966555026526

المزيد
شارك:

جميع الحقوق محفوظة لموقع دراسة ©2017