طلب خدمة
×

التفاصيل

نظرية المعرفة عند أفلاطون

2021/05/24   الكاتب :د. محمد الفيفي
عدد المشاهدات(1805)
نظرية المعرفة عند أفلاطون

نظرية المعرفة

 

 تمثل نظرية المعرفة الأساس الذي قامت عليه الفلسفة منذ بدايتها، وذلك باعتبار أن مهمة الفلسفة الأولى هي البحث عن الحقيقة، وبالتالي تمثل نظرية المعرفة جوهر أي فلسفة، وذلك أن الحقيقة التي تبحث عنها الفلسفة يجب أن تستند على مصدر معرفي أي الإجابة عن سؤال كيف نتأكد أن تلك هي الحقيقة؟  أو من أين تكتسب الحقيقة وجودها وكيف؟

  وقد انقسم الفكر الفلسفي في بداياته إلى ثلاثة أقسام:

  1. القسم الأول أنكر أصل الوجود، وبالتالي فلا يمكن معرفة ما هو غير موجود.
  2. أما الاتجاه الثاني فهو الذي تشكك في إمكانية حصول المعرفة أو قدرة الإنسان على الوصول للمعرفة،
  3. أما الاتجاه الثالث وهو الذي يؤكد على إمكانية حصول المعرفة لدى الإنسان، وسنتناول في هذا المقال الاتجاه المنكر والاتجاه المشكك. 

الاتجاه المنكر للوجود والمعرفة:

يعتبر مصطلح "السفسطائي"، بناءً على انتقادات سقراط وأفلاطون وأرسطو، مصطلحا سيئ السمعة إلى حد كبير: فهو يشير إلى تاجر معرفة، باحث زائف لا يهدف إلا إلى الربح الشخصي من خلال تعليم الخطابة، أي فن إقناع أي شخص بأي شيء. أما مصطلح "السفسطة" فيشير إلى فكر له مظهر الحقيقة ولكنه ينجح قبل كل شيء في إخفاء الخطأ المنطقي الذي يحتويه.

أنكر السفسطائيون وجود العالم الخارجي بشكل مطلق وبالتالي فلا يمكن العلم به، وذلك أن غير الموجود لا يكون موضوعاً للمعرفة، ومن هذا المنطلق فقد أنكر السفسطائيون أي وجود لأي شيء، ومن ثم فلم يكن لديهم مشكلة في الدفاع عن الباطل باعتبار أنه لا وجود للحق، فكان يمكنهم بفضل مهاراتهم الخطابية تصوير الحق على أنه باطل والباطل على أنه حق، ولذلك فقد اتجهوا إلى امتهان المحاماة والسياسة أي المهن المتعلقة بفن الكلام والخطابة.

وكان من شأن هذا الاتجاه إفساد الحياة الفكرية والاجتماعية بشكل كامل، ورغم ذلك فقد أدى فكر السفسطائيون إلى إثارة مشكلة المعرفة بشكل واسع على الفكر الفلسفي اليوناني، وهذا ما أدى إلى وقوف سقراط في مواجهتهم ومن بعده أفلاطون وأرسطو وناظروهم في القضايا الفلسفية لإثبات ضعف منطق السفسطائيين.

انتقادات السفسطائية:

إن الهدف الأكثر عمومية للفلسفة السفسطية هو التألق، ومبدأ تعليمها، أن تتعلم التألق، كما يفهمها بالتاسار غراسيان (Hodges, 1996). ما يهم هو ما يظهر، وما يظهر يعتمد على تفرد كل وجهة نظر: الظواهر والنسبية التي تنظمها السفسطائية وتجعلها متطرفة. يتوقف الاهتمام الفلسفي للسفطائيين عند المظاهر، دون عناء وضع معيار لفصل المظاهر وفقًا لدرجة "الحقيقة" أو "الزيف". التمييز الحقيقي، وفقًا للسفطائيين، هو على مستوى آخر: فهو يتألف من التعرف على المظاهر الجذابة، من أجل التمكن من التنبؤ عن الظروف التي ستؤدي إلى التألق. يتسم التألق، كما تصوره وسعى إليه السفسطائيون، بطابع خاص له أهمية كبيرة للغاية، وهو أنه لا يملق أو يطغى على أي "واقع". لا يعني ذلك أن الواقع يُنكر: لكنه يندمج مع مظهره الخاص، والذي يستنفذه دون ترك أي "بقايا" مثالية وميتافيزيقية.

من خلال اختزال الوجود إلى الظهور، يخضع الفكر السفسطائي لإلهام مادي صارم: إنه ليس مسألة إزالة الواقع من المظاهر، بل على العكس من تأكيده بشكل صريح، من خلال تنقية المظهر الحقيقي لهذه المظاهر. إن الفكر السفسطائي كان ماديًا وملحدًا. هذا يعني أن البحث عن التألق يتم هنا دون قلق أو دافع خفي: لا توجد "حقيقة" ولا "قيم" يمكن أن تتعارض معها، لأنها هي، من خلال قدرتها على الإدراك والتنظيم، التصورات التي تنتج واقعها وقيمها الخاصة.

الاتجاه التشكيكي :

الشك يعتبر أصل كل نقد للفلسفة، يبدأ الشك بفحص للوضع التاريخي للفلسفة. فمنذ ولادتها، كان التناقض يتخلل الفلسفة: مما يجعل فكرة الحقيقة المطلقة غير مطروحة ويلزمنا الشك بالامتناع عن أي حكم على المطلق. ثم إن الشك يعتبر أيضا موقف الرفض، أي رفض الحكم على وجود الأشياء. تكون الأحكام الفلسفية عند الشكاكين بذلك معلقة بشكل دائم لأن الشك عندهم لا نهاية له.

في بداية ظهور الفلسفة اليونانية كان هناك بعض الفلاسفة الذين يشكون في المعطيات الحسية، ومن أهم هؤلاء الفلاسفة بارميندس، وهرالكيوس ويعتبر "بارمنيدس" أول من أثار مشكلة نظرية المعرفة، حيث أشار إلى أن هناك وجود يتجاوز المدركات الحسية، قد أنكر حصول المعرفة المدركة عن طريق الحواس، فالحواس خادعة، وما تنقله إلينا يكون محل شك أو خطأ.  

ثم جاء (بيرهون) بعشرة أدلة على عدم إمكانية المعرفة، حيث أكد أن إدراكنا للأشياء لا يكون على الوجه التي تكون عليه في الواقع، وبالتالي فلا يمكن التأكد من مدى مطابقة إدراكنا للحقائق مع حقيقتها كما هي في الواقع، وبالتالي فإن كل ما نتناوله من علوم يجب أن تكون على وجه الاحتمال.

ومع مرور الزمن شهد هذا الاتجاه تراجع كبير حتى بداية التطورات العلمية في أوروبا وظهور فلاسفة مثل شوبنهاور الذين شككوا في قيمة الحقائق العلمية، حيث كان هناك بعض النظريات العلمية التي كان يظن أنها حقائق ثابتة غير قابلة للشك ثم ثبت أنها غير صحيحة، وبالتالي كان من المنطقي التشكيك في الحقائق العلمية بشكل عام، ومن هنا ظهر منهج التشكيك مرة أخرى في الفلسفة الغربية.

ثم جاء ديمقريطس بنظريته الذرية حيث فرق بين الموجود وبين الفكر والظن، حيث قال أن الحواس لا تستطيع أن تدرك الموجود إلى ما لا نهاية، وقد فرق بين نوعين من المعرفة، النوع الأول (الغير مشروع) والذي يعتمد على الحواس حيث لا تستطيع الحواس إدراك الأشياء المتناهية في الصغر مثل الذرات والفراغ، وهي المعرفة التي يمكن التوصل إليها عن طريق العقل فهو وحده الذي يمكن أن يدعم الحواس وذلك لأنه هو الوحيد الذي يتعامل مع الحقائق القصوى.

انتقادات الاتجاه التشكيكي :

جادل بعض منتقدي اتجاه الشك بأنها وجهة نظر لا يمكن الدفاع عنها، سواء من الناحية المنطقية أو الإنسانية. أي محاولة لصياغة الموقف هي دحض ذاتي، لأنها ستشمل على الأقل بعض الادعاءات المعرفية حول ما يفترض أن يكون مشكوكًا فيه. اقترح مونتين (Schaefer, 2019) أن ما يحتاجه المشككون هو لغة غير حازمة، مما يعكس ادعاء Sextus  (Empiricus, 2000) بأن المشكك لا يقدم تأكيدات ولكنه يؤرخ فقط لمشاعره. لكن قوة الشكوكية لا تكمن فيما إذا كان يمكن ذكرها باستمرار ولكن في تأثيرها على حجج الفلاسفة العقائديين. وقال سكستوس أيضا إن الشك يشبه المطهر الذي يقضي على نفسه كما يقضي على كل شيء آخر.

ادعى منتقدون آخرون أن أي شخص يحاول أن يكون متشككًا تمامًا، أو ينكر أو يعلق جميع الأحكام المتعلقة بالمعتقدات العادية، سيصاب بالجنون قريبًا. حتى هيوم (Hume, 1963) كان يعتقد أن المتشكك الكامل سينتهي به المطاف بالجوع حتى الموت أو المشي على الجدران أو النوافذ. لذلك، ميز هيوم بين الشك الفلسفي والأنشطة البشرية الطبيعية والعملية.

مراجع يمكن الرجوع إليها.

  • النشار، مصطفى (1995) نظرية المعرفة عند أرسطو، دار المعارف، القاهرة.
  • إبراهيميان، السيد حسن (2004) نظرية المعرفة مؤسسة أم القرى للتحقيق والنشر ، بيروت.
  • العاملي، حسن محمد مكي (1990) نظرية المعرفة، الدار الإسلامية، بيروت.
  • أميرة إبراهيم حلمي مطر. (1998). الفلسفة اليونانية تاريخها ومشكلاتها. دار قباء للطباعة والنشر والتوزيع.
  • Empiricus, S. (2000). Sextus empiricus: Outlines of scepticism. Cambridge University Press.
  • Hodges, K. A. (1996). Unfolding Sophistic and Humanist Practice through Ingenium. Rhetoric Review, 15(1), 86–92.
  • Hume, D. (1963). The Philosophy of David Hume.
  • Robbins, J. (2003). Baltasar Gracián (1601-2001). Bulletin of Hispanic Studies, 80(1), 41.
  • Schaefer, D. L. (2019). The political philosophy of Montaigne.

 

 

التعليقات


الأقسام

أحدث المقالات

الأكثر مشاهدة

خدمات المركز

نبذة عنا

تؤمن شركة دراسة بأن التطوير هو أساس نجاح أي عمل؛ ولذلك استمرت شركة دراسة في التوسع من خلال افتتاح فروع أو عقد اتفاقيات تمثيل تجاري لتقديم خدماتها في غالبية الجامعات العربية؛ والعديد من الجامعات الأجنبية؛ وهو ما يجسد رغبتنا لنكون في المرتبة الأولى عالمياً.

المزيد

اتصل بنا

فرع:  السعودية  +966 560972772 - 00966555026526‬‬

المزيد
شارك:

جميع الحقوق محفوظة لموقع دراسة ©2017