طلب خدمة
×

التفاصيل

مدخل إلى مناهج البحث العلمي

2021/03/31   الكاتب :د. محمد الفيفي
عدد المشاهدات(1768)
مدخل إلى مناهج البحث العلمي

 

 

لا شك أن البحث العلمي هو الأساس الذي تقوم عليه نهضة الشعوب، ويعتبر التطور في البحث العلمي هو معيار تقدم الأمم أو تخلفها، ولا بد للعلوم من مناهج بحثية يسلكها الباحث العلمي في سيره لإيجاد حل للإشكالية التي يعالجها، ويعتبر المنهج العلمي هو الأساس السليم للحصول على معلومات وحقائق دقيقة والوصول إلى أقرب النتائج للصحة، وبالتالي وضع توصيات يمكن تعميمها بهدف تطبيقها على النماذج المشابهة، ونظرا لأهمية المنهج العلمي فقد ظهر علم مستقل يتناول دراسة المناهج أو المنهجية التي ينبغي على الباحث العلمي أن يلتزم بها أي فرع من فروع العلم أثناء إجرائه البحوث والدراسات، حيث من الضروري أن يلتزم الباحث بمبادئ البحث العلمي وأساليبه وإجراءاته النظامية ليصل إلى الفهم السليم للظاهرة وبالتالي تفسيرها. ومعلوم أن طبائع العلوم تختلف وتتنوع بين علم وآخر، فطبيعة الرياضيات التجريدية تختلف عن طبيعة علم المنطق الاستدلالية، وكلاهما يختلف عن طبيعة علم الكيمياء التجربة، ولذا فإن لكل علم منهج محدد ينتهي بالباحث إلى الوصول إلى الحقيقة في ذلك العلم، ولذلك تختلف مناهج العلوم باختلاف طبائع العلوم والموضوعات التي تعالجها. وقد يقع الباحثون الشباب في الحيرة، إذ يسأل الباحث نفسه أي المناهج يجب اتباعها في بحثه للوصول إلى النتائج العلمية الصحيحة، لذا فإننا سنحاول في هذا المقال أن نبين للقارئ مفهوم الباحث العلمي، وأهمية أن يكون الباحث على دراية بمناهج البحث العلمي واستخداماتها في البحوث العلمية في الفروع المعرفية، ثم نتناول أسباب تعدد مناهج البحث، وأخيرا نعرض السمات المشتركة بين مناهج البحث العلمي.

 

مفهوم "مناهج البحث"

يتكون مصطلح "مناهج البحث" من لفظين هما: "المنهج" و"البحث"، والمنهج في اللغة هو: الطريق أو المسلك، وأما اصطلاحا هو عبارة عن مجموعة من الإجراءات الذهنية التي يتبعها الباحث العلمي من أجل التوصل إلى حقيقة مادة البحث، أما لفظ "البحث" في الاصطلاح فيعني وضع تلك الخطوات الذهنية موضع العمل للكشف عن النتائج، وبالتالي فإن ثمت اختلاف في الطبيعة بين "الإجراءات المنهجية" و "إجراءات البحث" إذ أن الأولى تقع بأسرها في عالم الذهن، بينما تدل الثانية على عالم الحس والواقع.

وعموما فإن مفهوم المنهج العلمي يمكننا تعريفه بعدة حدود لإعطاء مفهوم شامل للمنهج العلمي من أهمها تعريف ابن خلدون، حيث يعرف ابن خلدون المنهج العلمي بأنه عبارة عن مجموعة من القواعد المصاغة التي يعتمدها الباحث بغية الوصول إلى الحقيقة العلمية بشأن الظاهرة أو المشكلة موضوع الدراسة والتحليل. وقد عرفه فلاسفة "منطقة بوربال" بأنه: فن التنظيم الصحيح لسلسلة من الأفكار العديدة من أجل اكتشاف الحقيقة حينما نكون جاهلين لها، أو من أجل البرهنة عليها للآخرين عندما نكون عالمين بها. ويعرفه عبد الرحمن بدوي بقوله: "هو الطريق المؤدي إلى الكشف عن الحقيقة في العلوم بواسطة طائفة من القواعد العامة تهيمن على سير العقل وتحدد عملياته حتى يصل إلى نتيجة معلومة". بينما يعرفه جابر عصفور في كتابه "مناهج البحث العلمي" بأنه: المنهج الذي يهدف إلى الكشف عن الحقيقة بحيث يساعدنا على التحديد الدقيق والصحيح لمختلف المشكلات التي يمكن معالجتها بطريقة علمية كما يمكننا من الحصول على البيانات والنتائج بشأنها. وإجمالا يمكننا تعريف المنهج العلمي بوصفه الطريق الذي يسلكه الباحث العلمي للتعرف على الظاهرة أو المشكلة موضع الدراسة، والكشف عن الحقائق المرتبطة بها، بغرض التوصل إلى إجابات على الأسئلة التي تثيرها المشكلة أو الظاهرة من خلال استخدام مجموعة من الأدوات لجمع البيانات وتحليلها والتوصل إلى النتائج التي تساعد في الإجابة على تلك التساؤلات.

أهمية المنهج العلمي

لعل سائلا يسأل عن الجدوى التي تعود على الباحث من معرفة التأصيلات النظرية والفلسفية للبحث العلمي، إن كان يجيد فهم جزئيات العلم ويحسن دراسة فروعه، وبالتالي فإن معرفة المناهج البحثية لا يعدو كونه ترفا فكريا! فنقول: علم المناهج البحثية لا يعتبر ترفا أو رفاهية، وإنما هو من ضروريات العلوم وأبجدياتها، فهو الطريقة التي تميز كل علم عن غيره وتضبط البحث فيه لضمان الوصول إلى النتائج الصحيحة الدقيقة، وقد ظهر علم مستقل يتناول دراسة المناهج أو المنهجية التي يجب أن يلتزم بها الباحث في أي مجال من مجالات البحوث و الدراسات سواء بصفة العموم من حيث مبادئ البحث العلمي و أساليبه و إجراءاته النظامية للوصول إلى حقيقة الظواهر و علاج المشكلات أو بصفة خاصة من حيث المنهج العلمي في مجال معين أو في بحث لذاته، ويمكننا إيجاز أهمية معرفة الباحث لمناهج البحث في النقاط الآتية:

1. يعتبر المنهج العلمي هو الأساس السليم للحصول على المعلومات والبيانات الدقيقة والنتائج الموثوقة.

2. يمكن المنهج العلمي الباحث من تعميم النتائج كما يمنحه إمكانية تطبيق نتائج البحث على النماذج المماثلة.

3. طبيعة البحث العلمي تجعل من الضروري للباحث اتباع منهج خاص في التحليل والدراسة فإذا أراد الباحث أن يقوم مثلا بدراسة الجوانب الاقتصادية في فكر ابن خلدون فإنه يحتاج لاستخدام المنهج التاريخي، وإذا كان البحث منصبا ومركزا على دراسة ظاهرة معينة تتعلق بسلوك الأفراد و ردود أفعالهم فهذا يتطلب إجراء الدراسة وفق المنهج المعروف بدراسة الحالة.

4. يفتح المنهج العلمي آفاقاَ أخرى أمام الباحث لإثراء بحثه.

5. يكشف المنهج العلمي أمام الباحث طريقا واضحا بداية من تحديد المشكلة وإجراءات البحث وأدواته وانتهاءَ بالوصول إلى النتائج السليمة.

أسباب تعدد مناهج البحث

بنظرة سريعة على تاريخ المناهج البحثية عبر العصور، نرى أن العلوم اليونانية كانت تقوم أصلا على الاستدلال الذهني التجريدي والبرهنة الرياضية مع إهمال الجانب التجريبي، وفي العصور الوسطى نرى أن الفلاسفة من أمثال الفارابي وابن سينا والكندي قد تقفوا آثار اليونان في الاستدلال العقلي، لكن على صعيد آخر كانت التمايز المنهجي قد بدأ في النمو على يد جابر بن حيان والحسن بن الهيثم وأبي الريحان البيروني وغيرهم، لكن التمايز الحقيقي بين المناهج البحثية لم ينضج إلا في عصر النهضة الأوروبية في القرنين السادس والسابع عشر على يد نيوتن وديكارت وفرانسيس بيكون وجون ستيوارت مل وغيرهم، ومنذ ذلك الحين إلى يومنا والحق الذي لا خلاف فيه أن كل موضوع معين أو فرع ما من فروع المعرفة يخضع لمنهجية خاصة يمكن من خلالها معالجته، وقد تتطلب بعض المواضع معالجتها عبر أكثر من منهج بحثي لكن وفق قواعد معينة، بمعنى أن هذه المناهج تتضافر بحيث يؤدي كل منهما دورا معينا في سلسلة الخطوات التي تفضي إلى النتائج، ولعل هذا يبدو جليا في العلوم السياسية و العلوم الاجتماعية؛ حيث أنها لا تتميز بأحادية المنهج وإنما يبدو فيها التكامل المنهجي، ومن الممكن أن يكون اختلاف المناهج البحثية وتنوعها من مسببات الحيرة والتشتت عند بعض الباحثين الشباب، ونحن نقطع هذه الحيرة ببيان أسباب التعدد في المناهج البحثية وهي:

1. تشعب فروع العلوم فمثلا العلوم السياسية تعرف بأنها تلك العلوم التي تهتم بدراسة التاريخ السياسي والدبلوماسي و الاقتصاد و الجغرافيا السياسية و علم السياسية و العلاقات الدولية و القانون الدولي و بالتالي يمكن دراسة أي فرع بمنهج مختلف، و كلها تتميز عن بعضها البعض بمنهج أو منهجين و إن كانت ذات طبيعة اجتماعية واحدة. وقد تنبه أرسطو إلى هذه الفكرة فنراه يقول: "إن بعض العلوم لا تقبل إلا لغة رياضية و البعض الآخر لا يريد إلا أمثلة، البعض يريد الاستشهاد بالشعر، و البعض يحتم في كل بحث برهانا محكما بينما غيره يعتبر هذه الأحكام إسرافا، و لكن يجب أن يبدي بتعريف مقتضيات كل نوع من العلوم، فلا وجود للدقة الرياضية في كل موضوع، و إنما فقط في الكلام عن المجردات، و لذلك فإن المنهج الرياضي لا يصلح للعلم الطبيعي لأن الطبيعة تحتوي على المادة".

2. تعدد الجوانب التي تشكل الظاهرة وبالتالي يتم دراستها وفق جوانبها المختلفة، فلا يستطيع الباحث أن يعتمد على منهج واحد الدراسة وتحليل مختلف جوانب الظاهرة مما يتوجب على المحلل الاعتماد على مزيج من مجموعة من المناهج في إطار ما يعرف بالتكامل المنهجي فلدراسة ظاهرة الانتخابات مثلا ينبغي على الباحث الاعتماد على المنهج الاستقرائي بالنسبة للمترشحين للعملية الانتخابية و المنهج التاريخي لمعرفة نتائج العملية الانتخابية السابقة و نعتمد المنهج المقارن للمقارنة بين ماضي العملية الانتخابية و حاضرها للتنبؤ بمستقبلها و نعتمد على المنهج الإحصائي من خلال قياس اتجاهات الرأي العام و المشاركة السياسية للمواطنين و دراسة نتائج العملية الانتخابية و بالتالي نكون أمام تكامل منهجي.

3. أن كل منهج علمي تقريبا هو وليد عصر معين و نتاج مفكر معين و هذا يعني أن المنهج الذي كان معمولا به في العصر اليوناني لم يكن معمولا في العصر الروماني و لم يكن معمولا به بين علماء المسلمين في القرون الوسطى.

4. فقدان الروح العلمية الموضوعية التي يجب أن يتحلى بها الباحثون، وهذا راجع إلى اعتبار الباحث جزء لا يتجزأ من موضوع الدراسة والتحليل و ليس مستقلا عنها، و لتجاوز هذه الأزمة يقترح عالم الاجتماع الفرنسي "أميل دوركهایم" دراسة الظاهرة كشيء مادي ملموس و هو ما يسمى عنده بالشيئية.

السمات المشتركة بين مناهج البحث العلمي.

قد أشرنا سابقا إلى أسباب تعدد مناهج البحث العلمي، لكن وبالرغم من ذلك فإن ثمت خصائص مشتركة تشترك فيها كل المناهج البحثية، ومن هذه الخصائص:

1. الالتزام بالحياد والموضوعية واجتناب التحيزات الشخصية وتحييدها بعيدا عن ظاهرة البحث ونتائجه.

2. اتباع خطوات منهجية منضبطة وقواعد نظامية محددة للتفكير والتحليل.

3. الدراسة العميقة للظواهر والمشكلات بهدف فهمها الفهم الصحيح.

4. طلب الحقائق و تحديد أبعاد الظاهرة أو المشكلة وفق أسلوب علمي محايد.

5. استخدام أدوات دقيقة و ملائمة لتوفير البيانات و المعلومات ذات العلاقة بالظاهرة أو مشكلة مجال الدراسة.

6. الاعتماد على مصادر أولية و أخرى ثانوية لجمع البيانات و المعلومات المرتبطة بالظاهرة أو المشكلة موضوع الدراسة .

7. التأكد من موضوعية البيانات و المعلومات و دقتها و التحقق من صحة مصادرها و مصداقيتها .

8. الاعتماد على مقاييس علمية دقيقة للتعرف على خصائص أبعاد الظاهرة أو المشكلة واتجاهاتها.

وختاما فقد حاولنا في هذا المقال تقديم نظرة  شاملة لمساعدة الباحثين على فهم مفهوم المنهج العلمي ومناهج البحث وأهميتها للباحث وأسباب تعدد المناهج، بالإضافة إلى السمات التي تشترك فيها مناهج البحث العلمي، ونأمل أن تمثل هذه السلسلة من المقالات المتعلقة بالبحث العلمي ومناهج البحث نقطة تحول في مسار البحث العلمي ومستويات الباحثين في الوطن العربي.

المراجع

1. فوزي، عبد الخالق. على إحسان شوكت. (2007). طرق البحث العلمي المفاهيم والمنهجيات. ليبيا: المكتب العربي الحديث.

2. اللحلح، أحمد عبد الله. (2002). البحث العلمي: تعريفه، خطواته، مناهجه، المفاهيم الإحصائية. الدار الجامعية.

3. العجلي، عصمان سركز. (2002). البحث العلمي: أساليبه وتقنياته. طرابلس: الجامعة المفتوحة.

4. جندلي، عبد الناصر. (2005). تقنيات ومناهج البحث في العلوم السياسية والاجتماعية. الجزائر: ديوان المطبوعات الجامعية.

5. حافظ، عبد الرشيد بن عبد العزيز. (٢٠١٢) أساسيات البحث العلمي. جدة: مركز النشر العلمي، جامعة الملك عبد العزيز.

6. المحمودي، محمد سرحان علي. (٢٠١٩) مناهج البحث العلمي. صنعاء: دار الكتب.

7. بدر، أحمد. (٢٠٠٢) أصول البحث العلمي ومناهجه. المكتبة الأكاديمية.

8. بدوي، عبد الرحمن. (١٩٧٧) مناهج البحث العلمي. الكويت: وكالة المطبوعات.

9. الأشوح، زينب. (٢٠١٤) طرق وأساليب البحث العلمي وأهم ركائزه. القاهرة: المجموعة العربية للتدريب والنشر.

10. منتصر، أمين. (٢٠١٠) خطوات وضوابط البحث العلمي. مصر: دار الفكر العربي.

التعليقات


الأقسام

أحدث المقالات

الأكثر مشاهدة

خدمات المركز

نبذة عنا

تؤمن شركة دراسة بأن التطوير هو أساس نجاح أي عمل؛ ولذلك استمرت شركة دراسة في التوسع من خلال افتتاح فروع أو عقد اتفاقيات تمثيل تجاري لتقديم خدماتها في غالبية الجامعات العربية؛ والعديد من الجامعات الأجنبية؛ وهو ما يجسد رغبتنا لنكون في المرتبة الأولى عالمياً.

المزيد

اتصل بنا

فرع:  السعودية  +966 560972772 - 00966555026526‬‬

فرع:  القاهرة  00201501744554 - 00201501744554

المزيد
شارك:

جميع الحقوق محفوظة لموقع دراسة ©2017