طلب خدمة
×

التفاصيل

تأسيس النظرية النقدية

2021/03/23   الكاتب :د. ريم الأنصاري
عدد المشاهدات(970)
تأسيس النظرية النقدية

تأسيس النظرية النقدية

هذه سلسة من المقالات نسعى فيها إلى رصد التحولات المعرفية التي رمت إلى نقد الواقع الاجتماعي، وساهمت في تطوير النظرية النقدية عند مدرسة فرانكفورت.

النظرية النقدية لمدرسة فرانكفورت:

 يعتبر الكثيرون أن الفلسفة عبارة عن نوع من الترف الفكري الذي ينعزل عن الواقع ويتعالى عليه، حيث ينشغل الفيلسوف عن واقعه العملي بالنظر الأنطولوجي وإطلاق الفكر في البحث وراء الكون وأصله وخالقه، والبحث في المفاهيم الميتافيزيقية مثل: مفهوم الروح، لكن الحقيقة أن الفلسفة منذ بدايتها كانت تتمتع بسمة نقدية جعلتها تحتك مع الواقع وتؤثر فيه، حيث سعى الفلاسفة منذ القديم إلى الربط بين الأنطولوجيا والحياة العملية، إلا أن انزلاق العديد من الفلاسفة ناحية البحث الأنطولوجي تسبب في فقدان الفلسفة لطابعها النقدي، إذ أن الأنطولوجيا أكثر المباحث قابلية للابتعاد عن الإنسان؛ لما تتضمنه من قوانين ومبادئ، وبالتالي انحصرت تصورات الإنسان عن نفسه وطموحاته وعن مجتمعه الذي يستقي منه تاريخه الطبيعي والاجتماعي على الكون والوجود فقط؛ لذا يسعى العديد من الباحثين إلى إعادة تشكيل تأثير للفلسفة في حياة الناس العملية والواقعية، لتحدث بذلك فارقا في الحياة اليومية.

مدرسة فرانكفورت النقدية:

  وتعتبر مدرسة فرانكفورت من أهم المدارس في الفلسفة المعاصرة، والتي سعت إلى تأسيس نظرية نقدية جديدة للإنسان والعالم كنتيجة للاضطرابات التي أصابت العلم خلال القرن العشرين، بسبب الحروب العالمية الدامية، فقد أخذ فلاسفة مدرسة فرانكفورت على عاتقهم اقتفاء أثر المشروع النقدي الذي أسسه الفيلسوف الألماني إيمانويل كانت الذي اتخذ من النقد مركبا لتجاوز النظريات التقليدية، فنجده في كتبه الرئيسة الثلاثة: "نقد العقل الخالص"، و"نقد العقل العملي"، وكتاب "نقد ملكة الحكم" يفرق بين المعرفة العلمية الصحيحة والمعرفة الميتافيزيقية. وقد سعى فلاسفة فرانكفورت إلى تأصيل مفهوم النقد ولكن من منظور جديد محاولين إحداث تحول تنويري يسهم في قيام فلسفة نقدية تعيد بناء المجتمع الألماني باستخدام "العقلانية النقدية"، ولتحقيق ذلك الهدف كان لا بد لهم من الوصول إلى فهم حقيقي للمجتمع ومساره التاريخي، من خلال نقد كل ما يعطل الفكر، في محاولة من أولئك الفلاسفة لكسر القبضة الخانقة للمفاهيم والمعرفة الخاطئة التي أفقدت العقل دوره في إمكان التحرر بل والتي أرست أيضأ منهجية تحكمية باسم العلوم والتكنولوجيا.

أهم رواد مدرسة فرانكفورت:

وقد كان من أهم المنظرين النقديين الأوائل في مدرسة فرانكفورت: ماکس هورکهایمر Max Horkheimer وثيودور أدورنو Theodor W. Adorno وهربرت مارکوز Herbert Marcuse. ويعتبر يورغن هابرماس Jurgen Habermas واحدا من أبرز فلاسفة فرانكفورت الذين سعوا إلى تأصيل النظرية النقدية في صورتها المعاصرة، وقد شهدت النظرية على يده تحولا إبستمولوجياَ، حيث انتقد تحول الفلسفة عند إيمانويل كانت وهيجل إلى ترف فكري متعالي لا يتصل مع الواقع العملي والحياة اليومية. وقد اعتمدت مدرسة فرانكفورت على إعادة قراءة التاريخ الفكر الغربي انطلاقا من ايمانويل كانت ومرورا بالمنطق الجدلي لفريدريك هيغل، بالإضافة إلى اعتمادهم على الأسس السوسيولوجيا ممثلة في التأثير الماركسي، وكذلك تأثرهم بكتابات ماكس فيبر حول العقلانية. وانطلقوا من نقد كل من:

  1. النزعة الوضعية الحديثة والتجريبية وأنساقها، والتي تحولت إلى إيديولوجيات شمولية تنظم علاقات الإنسان بالإنسان والإنسان بالمجتمع.
  2. المجتمع الاستهلاكي.
  3. الإيديولوجيا.

الاحتياج التاريخي إلى نظرية نقدية:

سبق وأن أشرنا أن الشعور بالحاجة لتأسيس نظرية نقدية ظهر في منتصف القرن العشرين، نتيجة للصدمات التي أصابت العالم ممثلة في الحروب العالمية وغيرها، خاصة أن المجتمع الألماني كان عنصرًا أساسيًا في هذه الحروب وقد خرج منها منهكا، وأصبح أفراده يعانون ظروفا قاسية، وقد تسبب عن هذه الأحداث ظهور مدرسة فرانكفورت والتي عنيت بالفلسفة الاجتماعية ومشروعها العلمي ومسارها النقدي، لذا فقد تشكلت النظرية النقدية باعتبارها ظاهرة مزدوجة، تمزج بين الفلسفة الاجتماعية من ناحية، وتنقد المجتمع من ناحية أخرى، كما أن من الممكن اعتبار النظرية النقدية جزءا من الماركسية الغربية باعتبار تجاوزها للواقع ونقدها له، لكن أكثر ما ميز هذه النظرية هو تحررها من الأفكار اللاهوتية والمفاهيم الميتافيزيقية، لذلك رأى فلاسفة فرانكفورت أن النقد هو السبيل إلى بناء المجتمع الألماني بعد الظروف التي مر بها وانعكست على جميع جوانب الحياة، وبهذا تكون الحاجة إلى مفهوم النقد من كونه مفهوما يخدم القضايا المعرفية إلى مفهوم يخدم المعرفة والمجتمع والإنسان على حد سواء.

 وبدءا من تولي ماكس هوركهايمر منصب الإشراف عام 1931م أصبح برنامج مدرسة فرانكفورت واضحا، فقد عبر هوركهايمر عن قلقه حيال طفرة النزعات الاستبدادية وهيمنة العلوم المتزايدة على المجالات الأخرى، فيقول: "يحركني الوعي أن فكرة الحرية الفردية التي قضت عليها النازية قد تم إحياؤها في قلوب كثير من الناس لمجرد أن المدرسة موجودة، وإذا كانت الستالينية قد تقلدت اليوم دور النازية فإنه في حال انتصارها في أوروبا، ليس هناك مجال لأدنى شك أنها ستهدم كل ما بنيناه، وكل ما يمكن أن نتمناه هو أن ننفذ بجلدنا من جلادي التوليتارية الروسية كما تمكنا من الانفلات من أيدي النازية. لكن ربما مازال هناك متسع من الوقت حتى نعلم الشباب من الطلاب معنى الإنسانية كما تعلمناه نحن" ( 25: Musaddaq , 2005 , p ).

وعندما صاغ هوركهايمر النظرية النقدية جعل مهمة النقد الأساسية هي إيجاد العلاقة السليمة بين النظرية والتطبيق، بعد تخليص النظرية من الأيديولوجيا والتطبيق من الثورة، وقد هدف بذلك إلى تقديم مبادئ تفسيرية ونقدية لتاريخ الفلسفة، في محاولة لتوضيح المنطق المسير لتاريخ العلاقة بين الإنسان والمجتمع، وقد أكد ذلك بقوله: "يعبر هذا الاختلاف الوجودي بين الإنسان والمجتمع عن الصدع الذي ميز الأشكال التاريخية للحياة الاجتماعية، لقد كان وجود المجتمع دوما مؤسسا إما على القمع المحض والبسيط أو نتاجاَ ميكانيكيا أعمى لتفاعلات قوى متصادمة، وعموما لم يكن أبدأ نتاجا للتلقائية الواعية لأفراد أحرار؛ لهذا السبب يتغير معنى مفهومي القابلية  والفاعلية  وفق تطبيقنا له على المجتمع أو على الفرد؛ فنشاط المجتمع في المنظومة الاقتصادية البرجوازية أعمى وعيني، في حين أن نشاط الفرد مجرد وواع" (85: Alkhouni , 2006 ,p)

الفرق بين النظرية التقليدية والنظرية النقدية:

عرف هورکهایمر النظرية بأنها "ربط منهجي للقضايا في شكل استنباط يتمتع بوحدة النسق"، وعرف العلم بأنه "عالم من القضايا المتأتية عن عمل ما، عمل ضمن النظام المنهجي الذي يتحدد منه عالم من المواضيع" (7-8: Horkheimer , 1990 , p). كان من ضمن الأسباب التي أدت إلى انتقاد كل من هورکهایمر وأدورنو للنظرية التقليدية هو هاجسها حول تصنيف الظواهر الاجتماعية المختلفة ووضعها ضمن قوائم؛ وكأن التصور التقليدي مستمد تجريديا من النشاط العلمي، وقد تخللت المبادئ الماركسية فكر هورکهایمر؛ بحيث إن الفلسفة والدين والأفكار الاجتماعية لا يمكن فهمها إلا من خلال تحديد علاقتها بمصالح طبقات المجتمع المختلفة، وبهذا تكون النظرية الماركسية هي النظرية الدالة على الحياة الاجتماعية. وقد بدا أن كارل ماركس استجاب لما نادى به إيمانويل كانت في إطار مشروعه التنويري حول تجذير النقد، بمعنى الخروج من دائرة العقل ومواضيعه الميتافيزيقية كمجال مستقل بذاته إلى الأساس المادي والتاريخي الذي يجعل وجود ميادين العلوم الاجتماعية ممكنة، بل إن تعميق النقد عند ماركس ليس التراجع به إلى العقل بل بلوغ الأشياء التي لا يتوقف وجودها ضرورة على العقل، مما أدى ذلك في تصوره الهيغلي المبكر إلى تعرية اغتراب الذوات الإنسانية في أشكالها الدنيوية بعد أن تمت تعريته في شكله المقدس: من ثم يتحول نقد السماء إلى نقد الأرض، ونقد الدين إلى نقد الحقوق ونقد اللاهوت إلى نقد السياسة، وعليه يكون النقد ليس غاية في حد ذاته إنما وسيلة لبلوغ ما لم نصل إليه بداية وهذه العملية في الحقيقة ترجع إلى الجدلية الهيغلية.

مثل نقد کارل ماركس للاقتصاد السياسي نقدا للعلوم الاجتماعية، حيث قام بتحطيم القيود التي فرضت على السلطة الاجتماعية، ومن ثم ازداد إصرار رواد مدرسة فرانكفورت على التخلي عن النهج المنغلق في العلوم الاجتماعية والتخلي عن المبدأ الماركسي القائل بأن النضال الطبقي هو محرك التاريخ والتحول بدلا من ذلك نحو فضاء أكثر مناسبة، وتوجيه النظر إلى توترات وتناقضات المجتمع والتركيز على نزاع أشمل يقوده العقل: نزاع طرفاه الإنسان والطبيعة الداخلية والخارجية من خلال نظرية جديدة، ويمكن تلخيص الفرق بين النظرية التقليدية والنظرية النقدية كما يأتي:

 النظرية التقليدية:

  1. النظرية التقليدية نظام مغلق طبقا لقواعد منطق طرفين متنازعين يمثلان ثنائية الخصومة المميزة للتنظيم الاجتماعي.
  2. تفترض قيمة محايدة.
  3. صممت لتحقيق أهداف على غرار العلوم الطبيعية.
  4. تحدد سماتها من خلال العقلانية الأداتية - التقنية.

النظرية النقدية:

  1. تقول النظرية النقدية بحزم بأنه لا يوجد أي موضوع مطلق للمعرفة وأن صدفة الكائن بالموضوع تقع في المستقبل ليس فقط بسبب التقدم الفكري إنما بسبب التقدم الاجتماعي وهذا ما يستدعي إعادة تعريف العلاقة بين الذات والموضوع.
  2. إن طريقة العلم مختلفة لأن النهايات تحدد الوسائل أما النظرية النقدية فالوسائل متساوية من حيث الأهمية مع النهايات.
  3. هي انعكاس لنقد الايديولوجيا ما يجعلها منهج تاريخية لإطار العمل الاجتماعي.

في هذه السلسة من المقالات نسعى إلى تقريب النظرية النقدية عند مدرسة فرانكفورت من القارئين والمثقفين والباحثين المعنيين بالنظرية النقدية خصوصا أو نقد الواقع الاجتماعي عموما، كما نحاول فيها رصد التحولات المعرفية الرامية إلى نقد الواقع الاجتماعي، وساهمت في تطوير النظرية النقدية عند مدرسة فرانكفورت بدءاَ من هوركهايمر ومرورا بأدورنو وماركوز وانتهاءَ بهابرماس.

المراجع

1. Adorno, T. (2004). Negative dialectics, London: Taylor & Frances e-Library.

2. Adorno, T. and Horkheimer. M. (2006). Dialectic of enlightenment: Philosophical nuggets, Trans: George Katoorah, 1st, Tripoli: Dar al kitab al jaded.

3. Bronner, S. (2016). Critical theory: A very short introduction, Trans: Sara Adel, 1st ed, Cairo: Hindawi Foundation for Education and Culture.

4. Finlayson, J. (2016). Habermas: A very short introduction, Trans: Ahmed Alrouli, 1st ed, Egypt: Hindawi Foundation for Education and Culture.

5. Habermas, J. (1979). Communication and the evolution of society, Trans: cit.

6. Habermas, J. (1982). The Entwinement of Myth and Enlightenment, Op. Cit.

7. Habermas, J. (1996). Between facts and norms: contribution to discurse theory of law and democracy: William Rehg, Cambridge, MIT press.

8. Horkheimer. M., (1990). The traditional theory and the critical theory. Trans: Moustafa Alnawi, 1st ed, Casablanca: New success Publication.

9. Marcuse. H., (1988). One dimension man, Trans: George Tarabishi, 3rd ed, Beirut: House of Art.

10. Marcuse. H., (2011). Negative dialectic: Studies in critical theory, Trans: Mujahid Abhulmeniem, 1st ed, Dar al kalima for publishing and distribution.

 

التعليقات


الأقسام

أحدث المقالات

الأكثر مشاهدة

خدمات المركز

نبذة عنا

تؤمن شركة دراسة بأن التطوير هو أساس نجاح أي عمل؛ ولذلك استمرت شركة دراسة في التوسع من خلال افتتاح فروع أو عقد اتفاقيات تمثيل تجاري لتقديم خدماتها في غالبية الجامعات العربية؛ والعديد من الجامعات الأجنبية؛ وهو ما يجسد رغبتنا لنكون في المرتبة الأولى عالمياً.

المزيد

اتصل بنا

فرع:  السعودية  +966 560972772 - 00966555026526‬‬

فرع:  القاهرة  00201501744554 - 00201501744554

المزيد
شارك:

جميع الحقوق محفوظة لموقع دراسة ©2017