طلب خدمة
×

التفاصيل

عدد المشاهدات(611)
قراءة في مقال آثار محمد علي في مصر للإمام محمد عبده

قراءة في مقال (آثار محمد علي في مصر) للإمام محمد عبده

 

كتب الشيخ " محمد عبده " في المنار في 7 يونية 1902 مقالا تحت عنوان "آثار محمد علي في مصر "

استفتح الإمام محمد عبده مقالته بمقدمة رائعة عن أسباب كتابته للمقال حيث كثر النقاش بين الناس عما فعله محمد علي في مصر بين مادح وقادح بدون دليل واضح لأي منهم فقال رحمه الله: -

لغط الناس هذه الأيام في محمد علي ... وماله من الآثار في مصر والأفضال على أهلها وأكثرت الجرائد من الخوض في ذلك والله أعلم ماذا بعث المادح على الإطراء وماذا حمَل القادح على الهجاء.، غير أنه لم يبحث باحث في حالة مصر التي وجدها عليها محمد علي و ما كانت تصير البلاد إليه لو بقيت وما نشأ من محوها و استبدال غيرها على يد محمد علي ...أقول الآن شيئا في ذلك ينتفع به من عساه أن ينتفع ... ويندفع به من الوهم ما ربما يندفع ."

ثم وصف الإمام رحمه الله واقع المجتمع المصري قبل محمد علي حيث قال

وما نشأ عن محوها واستبدال غيرها بها على يد محمد علي. أذكر الآن شيئًا في ذلك ينتفع به من عساه ينتفع، ويندفع به من الوهم ما ربما يندفع، كانت حكومة البلاد المصرية قبل دخول الجيش الفرنساوى فيها من أنواع الحكومات التي كانت تسمى في اصطلاح الغربيين حكومات الأشراف وتسمى في عرف المصريين حكومات الالتزام وتعرف عند الخاصة بحكومات الإقطاع، وأساس هذا النوع من الحكومة تقسيم البلاد بين جماعة من الأمراء يملك كل أمير منهم قسمًا يتصرف في أرضه وقوى ساكنيها وأبدانهم وأموالهم كما يريد فهو حاكمهم السياسي والإداري والقضائي وسيدهم المالك لرقابهم. ومن طبيعة هذا النوع من الحكومة أن تنمو فيه الأثرة وتغلط فيه أصول الاستبداد وفروعه وتنزع نفس كل أمير إلى توسيع دائرة ملكه بالاستيلاء على ما في يد جاره من الأمراء. فكان من مقتضى الطبيعة أن كل أمير لا ينفك عن التدبير والتفكير فيما تعظم فيه شوكته، وما يدفع به عن حوزته، وأن يكون الجميع دائمًا في استعداد إما للوثوب وإما للدفاع. ولكن الأمراء في
مجموعتهم كانوا يقاومون سلطة الملوك فيضطر الملك لاستمالتهم ومجابهة بعضهم للاستعانة به على البعض الآخر فضعف بذلك استبداد الملوك فيهم حاجة الأمراء إلى المال كانت تسوقهم إلى ظلم رعاياهم وكانت شدة الظلم تميل برعاياهم إلى خذلانهم عند هجوم العدو عليهم. ظهر ذلك في خصوماتهم المرة بعد المرة فاضطر الأمراء أن يخففوا من ظلمهم وأن يتخذوا لهم من الأهلين أنصارًا يضبطون عند قيام الحرب بينهم وبين خصومهم. أحسَّ الأهلون بحاجة الأمراء إليهم فزادوا في الدالة على الأمراء واضطروهم إلى قبول مطالبهم فعظمت قوة الإرادة عند أولئك الذين كانوا عبيدًا بمقتضى الحكومة وانتهى بهم الأمر أن قيدوا الأمراء والملوك معًا ولم يكن ذلك في يوم أو عام، ولكنه في عدة قرون كما هو معروف عند أهل المعرفة. نعم كانت الحكومة في مصر على نوع تخالف به جميع الحكومات المشرقية وكانت البلاد متوزعة بين عدة أمراء كل منهم يستغل قسمًا منها ويتصرف فيه كما يهوى، وكان كل يطلب من القوة ما يسمح له يده إلى ما في يد الآخر أو يدفع به صولته فالخصام كان دأبهم والحرب كانت أهم عملهم. لذلك كان كل منهم يستكثر من المماليك ما استطاع ليعد منهم جنده ولكن كانت تعوزه مؤنتهم إذا كثروا فاضطروا إلى اتخاذ أعوان من أهالي البلاد فوجدوا من العرب أحزابًا كما وجدوا منهم خصومًا. ثم رجعوا إلى سكان القرى فوجدوا فيهم ما يحتاجون إليه فاتخذوا بيوتًا منها أنصارًا لهم عند الحاجة وعرف هؤلاء حاجة الأمراء إليهم فارتفعوا في أعينهم وصار لهم من الأمر مثل ما لهم أو ما يقرب من ذلك. لهذا كنت ترى في البلاد بيوتًا كبيرة لها رؤساء يعظم نفوذهم ويعلو جاههم. ذلك كان يقضي على كل أمير من أولئك الأمراء أن يصرف زمنه في التدبير واستجلاب النصير، وإعداد ما يستطيع من قوة لحفظ ما في يده والتمكن من إخضاع غيره، أنصاره من الأهالي كانوا يجارونه في ذلك خوفًا من تعدي أعوان
خصمه عليهم فوقعت القسمة بين الأهالي ولا تزال أسماء الأقسام معرفة إلى اليوم -سعد وحرام، هذا يحدث بطبعه في النفوس شممًا وفي العزائم من قوة ويكتسب القوى البدنية والمعنوية حياة حقيقية مهما احترقت نوعها. فكانت العناصر جميعها في استعداد لأن يتكون منها جسم حي واحد يحفظ كونه ويعرف العالم بمكانته.

جاء الجيش الفرنساوى والبلاد في هذه الحالة. دخل البلاد بسهولة لم يكن ينتظرها، احتل عاصمتها واستقر له السلطان فيها. لم تكن أيام قلائل حتى ظهر فيه القلق وعظمت حوله القلاقل ولم تنقطع الحروب والمناوشات ولم يهدأ لرؤساء العساكر بال. يدلك على ذلك شكوى نابليون نفسه في تقاريره التي كان يرسلها إلى حكومة الجمهورية من اصطياد العربان لعساكره من كل طريق، وسلبهم أرواحهم بكل سبيل، واضطر نابليون أن يسير في حكومة البلاد بمشورة أهلها وانتخب من أعيانها من يشركه في الرأي لتدبيرها طوعًا لحكم الطبيعة التي وجدها. قتل بعض رؤساء الجيش واضطربت عليه البلاد، وجاء الجيش العثماني وعاونه الجيش الإنكليزي وخرجت عساكر الفرنساويين من مصر، ولا أطيل الكلام فقد ظهر محمد علي بالوسائل التي هيأها له القدر.

ثم استطرد الامام بطرح السؤال المحوري " ما الذي صنعه محمد علي في مصر؟ " وكيف كانت قبله وكيف صارت بعده؟ ثم أورد جملة مفتاحية هي خلاصة المقال توضح النظرة الفاحصة التي تمتع بها الإمام حيث نظر الى اهم متغير في المعادلة وهو الشعب المصري و ليس ما نراه من بنية تحتية او مظاهر خادعة توحي بنهضة غير حقيقية حيث يصح فيه قول القائل " صنع مصر قوية ومصريين ضعفاء " وكانت عبارة الإمام محمد عبده نصاً " حتى فسد بأس الأهلين وزالت ملكة الشجاعة فيهم وأجهز على ما بقي في البلاد من حياة في أنفس بعض أفرادها" فساد الباس وزوال الشجاعة فلو تمت مقارنة ما فعله الشعب المصري في الحملة الفرنسية و كيف أجربوا الغزاة على الفرار وفعلوا بهم الأفاعيل قبل حكم محمد علي ولكن جاء محمد علي فطغى على الجماعات الوسيطة واستولى على الأوقاف وحول العلماء الى موظفين وحول الضعفاء الى ما يشبه العبيد  تحت سطوة نظام السخرة – لا ننكر أنه بنى مصانع ولكنها كما وصفها المؤخرون كانت أشبه بمعسكرات الاعتقال – وكان الدم المصري أرخص شيء عنده . ونعود للمقارنة بين بأس الأهالي قبل محمد علي وكيف أجهزوا على الحملة الفرنسية وخرجت في أقل من 3 سنوات وكيف استمر الانجليز في مصر بعدها ولم يروا مقاومة تذكر من الأهالي بل خضعوا لهم خضوع من لا بأس له. وفيما يلي نص ما خطه الامام رحمه الله في هذا الشأن في المقال حيث أورد: -

" ما الذي صنعه محمد علي؟ لم يستطع أن يُحيي ولكن استطاع أن يُميت ،كان معظم قوة الجيش معه وكان صاحب حيلة بمقتضى الفطرة ، فأخذ يستعين بالجيش وبمن يستميله من الأحزاب علة إعدام كل رأس من خصومه ثم يعود بقوة الجيش وبحزب آخر على من كان معه أولا وأعانه على الخصم الزائل ، فيمحقه وهكذا حتى إذا سحقت الأحزاب القوية ، وجّه عنايته إلى رؤساء البيوت الرفيعة ، فلم يَدَع فيها رأسا يستقر فيه ضمير "أنا" ...واتخذ من المحافظة على الأمن سبيلا لجمع السلاح من الاهلين وتكرر ذلك منه مرارا حتى فسد بأس الأهلين وزالت ملكة الشجاعة فيهم وأجهز على ما بقي في البلاد من حياة في أنفس بعض أفرادها فلم يبق في البلاد رأسا يعرف نفسه حتى خلعه من بدنه أو نفاه مع بقية بلده إلى السودان فهلك فيه."

ثم وضح الإمام رحمه الله كيف عبث محمد علي بالبنية المجتمعية وكيف رفع السفلة وأهان الكرام وكيف منح الأجانب مالم يتمتع بها أهل البلد أنفسهم فجمع عليهم بين ذل الجباية والسخرة وذل تنفذ الأجانب عليهم حيث وضح ذلك من خلال الفقرات التالية: -

أخذ يرفع الأسافل ...ويُعليهم في البلاد والقرى كأنه يَحِن لشَبَه فيه ورثه عن أصله الكريم (!) حتى انحط الكرام وساد اللئام ولم يبق في البلاد إلا آلات له يستعملها في جباية الأموال وجمع العساكر بأية طريقة، فمحق بذلك جميع عناصر الحياة الطيبة من رأي و عزيمة واستقلال نفس ، ليُصَيّر البلاد المصرية جميعها إقطاعا واحدا له ولأولاده بعد إقطاعات كانت لأمراء عدة.

ماذا صنع بعد ذلك ؟ اشرأبت نفسه لأن يكون ملكا غير تابع للسلطان العثماني ، فجعل من العُدة لذلك أن يستعين بالأجانب من الأوربيين فأوسع لهم في المجاملة وزاد لهم في الامتياز حتى صار كل صعلوك منهم لا يملك قوت يومه ملكا من الملوك في بلادنا ، يفعل ما يشاء و لا يُسأل عما يفعل ، وصغرت نفوس الأهالي بين أيدي الأجانب بقوة الحاكم وتمتع الأجنبي بحقوق الوطني التي حُرم منها وانقلب الوطني غريبا في داره غير مطمئن في قراره فاجتمع على سكان البلاد المصرية ذُلان ...ذُل ضربته الحكومة الاستبدادية المطلقة وذُل سامهم الأجنبي إياه ليصل إلى ما يريده منهم ...غير واقف عند حد أو مردود إلى شريعة.
لا يستحي بعض الأحداث من أن يقول: إن محمد علي جعل من جدران سلطانه بناء من الدين ... أي دين كان دعامة للسلطان محمد علي؟ دين التحصيل ؟ دين الكرباج ؟ دين من لا دين له إلا ما يهواه ويريده ؟ ثم فند الإمام محمد عبده ما يظنه الظان آثاراً إيجابية لمحمد علي في مصر فبين ذلك رحمه الله

قالوا: إنه طلع نجم العلم في سماء البلاد. نعم عني بالطب لأجل الجيش والكشف على المجني عليهم في بعض الأحيان عندما يراد إيقاع الظلم بمتهم. وبالهندسة لأجل حتى يدبر مياه النيل بعض التدبير، ليستغل إقطاعه الكبير. هل تَفكر يومًا في إصلاح اللغة عربية أو تركية أو أرنؤدية؟ هل تفكر في بناء التربية على قاعدة من الدين أو الأدب؟ هل خطر في باله أن يجعل للأهالي رأيًا في الحكومة في عاصمة البلاد أو أمهات الأقاليم؟ هل توجهت نفسه لوضع حكومة قانونية منظمة يقام بها الشرع ويستقر العدل؟ لم يكن شيء من ذلك بل كان رجال الحكومة إما من الأرنؤد أو الشراكسة أو الأرمن المولية أو ما أشبه هذه الأوشاب، وهم الذين يسميهم بعض الأحداث من أنصاره اليوم دُخلاء. وكانوا يحكمون بما يهوون لا يرجعون إلى شريعة ولا قانون، وإنما يبتغون مرضاة الأمير صاحب الإقطاع الكبير.

أين البيوت المصرية التي أقيمت في عهده على قواعد التربية الحسنة؟ أين البيوت المصرية التي كانت لها القَدَم السابقة في إدارة حكومته أو سياستها أو سياسة جندها مع كثرة ما كان في مصر من البيوت الرفيعة العماد الثابتة الأوتاد. أرسل جماعة من طلاب العلم إلى أوربا ليتعلموا فيها. فهل أطلق لهم الحرية أن يبثوا في البلاد ما استفادوا؟ كلا ولكنه استعملهم آلات تصنع له ما يريد وليس
لها إرادة فيما تصنع. وُجد بعض الأطباء الممتازين وهم قليل، ووجد بعض المهندسين الماهرين وليسوا بكثير، والسبب في ذلك أن محمد علي ومن معه لم يكن فيهم طبيب ولا مهندس فاحتاجوا إلى بعض المصريين ولم يكن أحد من الأعوان مسلطًا على المهندس عند رسم ما يلزم من الأعمال ولا على الطبيب عند تركيب أجزاء العلاج فظهر أثر استقلال الإرادة في الصناعة عند أولئك النفر القليل من النابغين، وكان ذلك مما لا تخشى عاقبته على المستبدين. هل كانت له مدرسة لتعليم الفنون الحربية؟ أين هي؟ وأين الذين نبغوا من طلابها؟ فإن وُجد أحد نابغ، فهل هو من المصريين؟ عدوا إن شئتم أحياءً أو أمواتًا.

 

وجد كثير من الكتب المترجمة في فنون شتى من التاريخ والفلسفة والأدب ولكن هذه الكتب أودعت في المخازن من يوم طبعت وغلقت عليها الأبواب إلى أواخر عهد إسماعيل باشا فأرادت الحكومة تفريغ المخازن منها، وتخفيف ثقلها عنها، فنثرتها بين الناس فتناول منها من تناول، وهذا يدلنا على أنها ترجمت برغبة بعض الرؤساء من الأوربيين الذين أرادوا نشر آدابهم في البلاد لكنهم لم ينجحوا؛ لأن حكومة محمد علي لم توجد في البلاد قراء ولا منتفعين بتلك الكتب والفنون.كانوا يختطفون تلامذة المدارس من الطرق وأفناء القرى (الأفناء: الناس ...المجهولون) كما يختطفون عساكر الجيش، فهل هذا مما يحبب القوم في العلم ويرغبهم في إرسال أولادهم إلى المدارس؟ لا بل كان يخوفهم من المدرسة كما كان يخيفهم من الجيش.

حمل الأهالي على الزراعة ولكن ليأخذ الغلات، ولذلك كانوا يهربون من ملك الأطيان كما يهرب غيرهم من الهواء الأصفر، والموت الأحمر. وقوانين الحكومة لذلك العهد تشهد بذلك.


يقولون: إنه أنشأ المعامل والمصانع! ولكن هل حبب إلى المصريين العمل والصنعة حتى يستبقوا تلك المعامل من أنفسهم؟ وهل أوجد أساتذة يحفظون علوم الصنعة وينشرونها في البلاد؟ أين هي؟ ومن كانوا؟ وأين آثارهم؟ لا بل بغّض إلى المصريين العمل والصنعة بتخسيرهم في العمل والاستبداد بثمرته فكانوا يتربصون يومًا لا يعاقبون فيه على هجر المعمل والمصنع لينصرفوا عنه ساخطين عليه، لاعنين الساعة التي جاءت بهم إليه.
يقولون: إنه أنشأ جيشًا كبيرًا فتح به الممالك ودوخ به الملوك وأنشأ أسطولاً ضخمًا تُثقل به ظهور البحار، وتفتخر به مصر على سائر الأمصار. فهل علَّم المصريين حب التجنيد، وأنشأ فيهم الرغبة في الفتح والغلب وحبب إليهم الخدمة في الجندية وعلمهم الافتخار بها؟ لا بل علمهم الهروب منها وعلم آباء الشبان وأمهاتهم أن ينوحوا عليهم معتقدين أنهم يساقون إلى الموت بعد أن كانوا
ينتظمون في أحزاب الأمراء ويحاربون ولا يبالون بالموت أيام حكم المماليك وكان من ينتظم في الجندية على عهجد محرر مصر لا يخرج منها إلا بالموت. ... هل شعر مصري بعظمة أسطوله أو بقوة جيشه، وهل خطر ببال أحد منهم أن يضيف ذلك إليه بأن يقول هذا جيشي وأسطولي أو جيش بلدي أو أسطوله؟ كلا لم يكن شيء من ذلك، فقد كان المصري يعد ذلك الجيش وتلك القوة عونًا لظالمه فهي قوة خصمه. كذلك كان يعدها كل عثماني في مصر أو في غير مصر. ليقل لنا أنصار الاستبداد كم كان في الجيش من المصريين الذين بلغوا في رتب الجندية إلى رتبة البكباشي على الأقل؟ فما أثر ذلك في حياة مصر والمصريين إلا أسوأ الأثر، كله شر في شر؛ لذلك لم تلبث تلك القوة أن تهدمت واندثرت.

ظهر الأثر العظيم عندما جاء الإنكليز لإخماد ثورة عرابي. دخل الإنكليز مصر بأسهل ما يدخل به دامر على قوم، ثم استقروا ولم توجد في البلاد نخوة في رأس تثبت لهم أن في البلاد من يحامي عن استقلالها، وهو ضد ما رأيناه عند دخول الفرنساويين إلى مصر، وبهذا رأينا الفرق بين الحياة الأولى والموت الأخير وجهله الأحداث، فهم يسألون أنفسهم عنه ولا يهتدون إليه. لا يستحيي بعض الأحداث من أن يقول: إن محمد علي جعل من جدران سلطانه بنية من الدين، أي دين كان دعامة لسلطان محمد علي؟ دين التحصيل، دين الكرباج. دين من لا دين له إلا ما يهواه ويريده. وإلا فليقل لنا أحد من الناس أي عمل من أعماله ظهرت فيه رائحة للدين الإسلامي الجليل؟ لا يذكرون إلا مسألة الوهابية وأهل الدين يعلمون أن الإغارة فيها كانت على الدين لا للدين، نعم
إن الوهابية غلوا في بعض المسائل غلوًّا أنكره عليهم سائر المسلمين، وما كان محمد علي يفهم هذا ولا سفك دماءهم لإرجاعهم إلى الاعتدال وإنما كانت مسألة سياسية محضة تبعها جراءة محمد علي على سلطانه العثماني فكان معه ما كان مما هو معروف.

نعم: أخذ ما كان للمساجد من الرزق وأبدلها بشيء من النقد يسمى فائض رزنامة لا يساوي جزءًا من الألف من إيراده. وأخذ من أوقاف الجامع الأزهر ما لو بقي له اليوم لكانت غلته لا تقل عن نصف مليون جنيه في السنة، وقرر له بدل ذلك ما يساوي نحو أربعة آلاف جنيه في السنة. وقصارى أمره في الدين أنه كان يستميل بعض العلماء بالخِلَع أو إجلاسهم على الموائد لينفي من يريد منهم إذا اقتضت الحال ذلك، وأفاضل العلماء كانوا عليه في سخط ماتوا عليه.

ثم ختم الامام محمد عبده مقاله بفقرة رائعة ماتعة وهي: -

وإلا فليقل لنا أحد من الناس ...أي عمل من أعماله ظهرت فيه رائحة الدين الاسلامي الجليل؟
لا أظن أن احدا يرتاب – بعد عرض تاريخ محمد علي – على بصيرته أن هذا الرجل كان تاجرا زارعا وجنديا باسلا ومستبدا ماهرا ولكنه كان لمصر قاهرا ولحياتها الحقيقية مُعدما ... وكل ما نراه الآن فيها مما يسمى حياة فهو من أثر غيره ـ متّعنا الله بخيره وحمانا من شرّه والسلام)

وخلاصة المقال ما أكده كذلك الباحث الانجليزي الفريد ميلنر في كتابه " إنجلترا في مصر " في فصل بعنوان الفلاحين كجنود في محاولة لتفسير خسائر الجيش المصري بقيادة الانجليز في السودان أمام جيش المهدي أو ما كان يسمى بجيش الدراويش حيث وضح الاشكالية في عبارة تؤكد ما ذكره الامام محمد عبد في المقال فقال نصاً " إن هذا الجندي المصري قد تعرض لمهانة تقتل رجولة مقاتل فايكنز
 

للاستزادة يمكنكم الرجوع الى كتاب الشرق الأوسط الحديث ألبرت حوراني وفيليب خوري وماري ويسلون

تحميل الكتاب

 

التعليقات


الأقسام

أحدث المقالات

الأكثر مشاهدة

خدمات المركز

نبذة عنا

تؤمن شركة دراسة بأن التطوير هو أساس نجاح أي عمل؛ ولذلك استمرت شركة دراسة في التوسع من خلال افتتاح فروع أو عقد اتفاقيات تمثيل تجاري لتقديم خدماتها في غالبية الجامعات العربية؛ والعديد من الجامعات الأجنبية؛ وهو ما يجسد رغبتنا لنكون في المرتبة الأولى عالمياً.

المزيد

اتصل بنا

فرع:  السعودية  +966 560972772 - 00966555026526‬‬

المزيد
شارك:

جميع الحقوق محفوظة لموقع دراسة ©2017