طلب خدمة
استفسار
×

التفاصيل

الوضوح والغموض مصطلحات ودلالات

2021/02/11   الكاتب :د. علي يوسف اليعقوبي
عدد المشاهدات(2882)

الوضوح والغموض مصطلحات ودلالات

 

 

الوضوح والغموض مصطلحات ودلالات الحلقة الأولى (العربي، البدوي)

 

اللغة العربية لغة الوضوح، والجمال، والبعد عن الغموض، والإبهام. والبحث هو محاولة في سبيل إثبات ذلك، من خلال محاور مختلفة، منها: معنى العربية، انطلاقا من جذرها الثلاثي (عرب) الذي يوحي بالوضوح، حيث إن كل مشتقات هذا الفعل تفيد تلك الصفة. كما حاول البحث إثبات وضوح هذه اللغة، وفصاحتها، وجمالها من خلال كلمة بدوي، وجذرها الفعل الثلاثي (بدا) الذي يفيد الوضوح، والنقاء، والجمال كذلك. كما وظف البحث كثيرًا من آيات القرآن الكريم، والسنة المطهرة التي تساهم، وتصب في تلك المعاني.

 أولا- العربي:

هناك تساؤل ربما يتبادر إلى الذهن بصورة عفوية، عن سبب تسمية هذه الأمة (العربية) بهذا الاسم، وهو تساؤل ربما يكون ملحًّا في لحظة من لحظات التأمل، والتفكر، كما قد يتساءل متسائل عن معنى ذلك الاسم، وعن دلالاته، وعلاقة ذلك كله بالمكون النفسي للإنسان العربي، وهل لهذه الأمة نصيب من اسمها، أم لا؟

نقول: إنه وبالرجوع إلى الجذر المعجمي لكلمة (عَرَبَ) نجد أنه يعني الإيضاح، والصفاء، والنقاء وما إلى ذلك من دلالات تصب في هذا السياق بالذات، حيث يقول صاحب التاج: "عرِبَ الماء إذا صفا"([1])، كما جاء في معجم المعاني: عرب الرجل: صار فصيحًا، وعرَّبَ عنه لسانُه: أَبان وأفْصَح. عَرَّبَ الكلامَ إذا أَوضحَه. كما نقول في العصر الحديث: أعرب ما تحته خط؛ أي: أزل إبهامه، وغموضه النحوي، ووضح وظيفته النحوية...إلخ. وفي هذا السياق نقسه يقول الأَزْهَرِيُّ: "الْإِعْرَاب والتعريب مَعْنَاهُمَا وَاحِد، وَهُوَ الْإِبَانَة. يُقَال: أعرب عَنهُ لسانُه، وعَرَّب: أَي أبان، وأفصح. وَيُقَال: أعرِبْ عَمَّا فِي ضميرك؛ أَي أبِنْ. وَمن هَذَا يُقَال للرجل إِذا أفْصح فِي الْكَلَام: قد أَعْرب"([2]). وعَرَّبَ إذا أَبانَ، وأَفصحَ، ومنه الحَدِيثُ الآخَرُ: (فإِنَّما كانَ يُعْرِب عَمَّا في قَلْبِه لِسَانُه) ([3]). ومنه حَدِيثُ التَّيمِيِّ: (كَانُوا يَسْتَحبُّون أَن يُلَقِّنوا الصَّبِيَّ حِينَ يُعَرَّبُ أَن يَقُولَ: لا إِله إِلَّا اللّهُ سَبْعَ مَرَّات) ([4]) أَي: حِينَ يَنْطِق، وَيُفْصِحُ، وَيَتَكَلَّم. وقال الجوهَرِيّ: مُعرِبٌ: مُفْصِح بالتَّفْصِيل ([5])، كما جاء في الحَدِيثِ (الثَّيِّبُ تُعْرِبُ عن نَفْسِها) ([6]). وقد أنشد هلال بن العلاء الباهلي قائلًا:

سبيلي لســــانٌ كــــان يعــــرب لفـــظه ... فيا ليته من وقفة العرض يسلم

وما ينفع الإعراب إن لـــم يكــن تُقَىً ... وما ضــر ذا تقـــوى لسانٌ معجم

 وانطلاقًا من تلك السمات؛ فقد سميت الأمة التي على هذه الشاكلة بالأمة العربية. فالإعراب، والوضوح، والبيان، وحسن الرغبة...كلها صفات أصيلة، وراسخة في هذه الأمة، حيث كانت، ومازالت مدار فخرها، ومناط اعتزازها، فهي أمة تحب البيان، وتعشق الوضوح، وتأبى-بطبيعة تركيبها الفطري- الإبهام، والغموض، يقول الحق تبارك وتعالى: ]وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِّسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَـذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُّبِينٌ[ النحل: 103.

وقد امتدح القرآن تلك الصفات في كثير من آياته الكريمة حيث استخدم كلمة (مبين) التي تفيد الوضوح في سياق المدح (125) مائة وخمسًا وعشرين مرة، كما استخدم كلمة (بينات) (53) ثلاثًا وخمسين مرة، و(تبين) (23) ثلاثًا وعشرين مرة، وعربيًّا (8) ثماني مرات، و(مبينات) (3) ثلاث مرات، هذا عدا مدح القرآن بخلوه من ذلك العوج، والاختلاف، والتناقض، والغموض، وكلها إشارات تفيد ذم من اتصف بها، أو مدح من لم يتصف بها، وقد جاء ذلك في العديد من الآيات مثل قوله تعالى:

 ]قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللّهِ مَنْ آمَنَ تَبْغُونَهَا عِوَجًا وَأَنتُمْ شُهَدَاء وَمَا اللّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ( آل عمران: 99

]الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا وَهُم بِالآخِرَةِ كَافِرُونَ( الأعراف: 45

]وَلاَ تَقْعُدُواْ بِكُلِّ صِرَاطٍ تُوعِدُونَ وَتَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللّهِ مَنْ آمَنَ بِهِ وَتَبْغُونَهَا عِوَجًا وَاذْكُرُواْ إِذْ كُنتُمْ قَلِيلاً فَكَثَّرَكُمْ وَانظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ( الأعراف: 86

]الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا وَهُم بِالآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ( هود: 19

]الَّذِينَ يَسْتَحِبُّونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الآخِرَةِ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا أُوْلَـئِكَ فِي ضَلاَلٍ بَعِيدٍ( إبراهيم: 3

]الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَل لَّهُ عِوَجًا( الكهف: 1

لَا تَرَى فِيهَا عِوَجًا وَلَا أَمْتا( طه: 107

]يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ الدَّاعِيَ لَا عِوَجَ لَهُ وَخَشَعَت الْأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ فَلَا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْسًا( طه: 108

]قُرآنًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ لَّعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ( الزمر: 28

وهذه الإشارات، والدلالات تعني أن العرب جنس فصحاء، مبينون؛ نالوا حظًّا وافرًا من سمات لغتهم الساحرة، وقد امتدح نبينا محمد u صفات الوضوح والبيان فقال: إن من البيان لسحرًا، وفي المقابل، فقد نهى u عن الغموض، والإبهام بقوله: (إياكم ومُغْمضات الأمور) ([7]) وروى: إياكم والمُغمِضات من الذنوب. قال النَّضْر: هي العِظام يركبها الرجل، وقد عبر عن الذنوب العظيمة بالغامضة.

فالعربي، والبدوي -إذًا- هم القوم الذين يسكنون الأرض الواضحة، الممتدة، ولا غرابة أن يكتسبوا بعضًا من صفاتها، فالإنسان ابن بيئته. ويجدر بنا التنويه -هنا- إلى مفارقة يسيرة بين الأعراب، والعرب، فالأعراب هم من يسكنون البادية، أما العرب فهم من يسكنون القرى، والحواضر ([8]). ولهذا فلا يصح أن نقول عن المهاجرين، والأنصار بأنهم أعراب، لأنهم أهل حواضر، وليسوا أهل بادية.   

ثانيًا- البدوي:

وكذلك الأمر بالنسبة لمصطلح (البدوي)، فربما يتبادر إلى الذهن سبب تسمية الفرد من هذه الشريحة من المجتمع بهذا الاسم؛ نعني: (البدوي)، وهو تساؤل دقيق، ومهم. وهنا لا بد من الرجوع إلى الجذر المعجمي لهذه الكلمة، فجذرها هو الفعل بدا الذي مضارعه يبدو، والمصدر) بُدُوّ)، والفعل وتصريفاته كلها تحمل معاني الظهور، والوضوح. نقول: بدا نضج الثمرة، إذا ظهر وبان. ونقول: بدا الأمر على حقيقته، إذا اتضح، وزال غموضه، وإبهامه. وخير من ذلك كله قوله تبارك وتعالى: ]بَلْ بَدَا لَهُم مَّا كَانُواْ يُخْفُونَ مِن قَبْلُ وَلَوْ رُدُّواْ لَعَادُواْ لِمَا نُهُواْ عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ[ الأنعام: 28. أي ظهر، وبان ما كانوا يكتمون. وقوله سبحانه: ]ثُمَّ بَدَا لَهُم مِّن بَعْدِ مَا رَأَوُاْ الآيَاتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ[ يوسف: 35. وقوله Y: ]وَبَدَا لَهُم مِّنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ[ الزمر:47.

 أما السنة النبوية فقد جاء عنه u أنه نهى عن شراء الثمر على الشجر قبل (بُدُوِّ) صلاحه، أي: قبل ظهور نضجه، لما جاء عنه u، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ عن ابن عُمَرَ t، قَالَ: "نَهَى رَسُولُ اللَّهِ e عَنْ بَيْعِ الثَّمَرِ حَتَّى يَبْدُوَ صلاحها. أي: حتى يظهر صلاحها. ومنه قول قيس بن الخطيم:

ترَاءَتْ لَنَا كالشَّمْسِ، تحْتَ غَمامةٍ    بدَا حاجِبٌ مِنْهَا وضَنَّتْ بِحاجِبِ([9])

أي: أظهرت حاجبًا، وأخفت آخر.

 واسم الفاعل المذكر من الفعل (بدا): بادي، ومؤنثه بادية، أي واضحة، وظاهرة. والبادية اسم، وصفة للأرض الممتدة، الواضحة، التي لا ترى فيها عوجًا، ولا أمتا. وكما هو معروف في علم الاجتماع أن الإنسان يكتسب بعض صفاته النفسية من البيئة التي يعيش فيها، بمعنى: أن الرجل الذي يسكن تلك الأرض الواضحة (البادية)، فإنه يكتسب منها الوضوح، والبساطة، وسلامة الصدر، وهو في الوقت ذاته يختلف في نمط حياته، وسلوكه عمن يسكن السواحل، أو الجبال.

 

 

([1]) الزبيدي، محمّد بن محمّد بن عبد الرزّاق، تاج العروس من جواهر القاموس، مجموعة من المحققين، دار الهداية، 3/339، 1/734.

([2]) محمد بن أحمد بن الأزهري الهروي، أبو منصور (المتوفى: 370هـ)، تهذيب اللغة، تحقيق: محمد عوض مرعب، ط1، 2001م، دار إحياء التراث العربي، بيروت، 2/219.

([3]) ابن الأثير، النهاية في غريب الحديث الأثر، تحقيق: طاهر أحمد الزاوى، محمود محمد الطناحي، (د.ط)، 1399هـ = 1979م، المكتبة العلمية، بيروت، 3/431.

([4]) الحسين بن علي بن الحسين، أبو القاسم الوزير المغربي (المتوفى: 418هـ)، أدب الخواص في المختار من بلاغات قبائل العرب وأخبارها وأنسابها، أعده للنشر: حمد الجاسر، (د.ط)، 1400 هـ =1980م، دار اليمامة للبحث والترجمة والنشر، الرياض، ص87.

([5]) محمّد بن محمّد بن عبد الرزّاق الحسيني الزبيدي، تاج العروس من جواهر القاموس، تحقيق: مجموعة من المحققين، (د.ت.ط)، دار الهداية، 3/339.

([6]) ابن ماجة - وماجة اسم أبيه يزيد - أبو عبد الله محمد بن يزيد القزويني (المتوفى: 273هـ)، سنن ابن ماجه تحقيق: شعيب الأرنؤوط وآخرون، ط1، 1430هـ=2009م، دار الرسالة العالمية، 3/72.

([7]) الزمخشري، محمود بن عمر، الفائق في غريب الحديث، تحقيق: علي محمد البجاوي -محمد أبو الفضل إبراهيم، ط2، (د.ط) دار المعرفة – لبنان، 3/77.

([8]) ينظر/ الزبيدي، تاج العروس، 3/334.

([9]) محمد بقن سلام الجمحي، طبقات فحول الشعراء، (د.ط.ت)، تحقيق: محمود محمد شاكر، دار المدني، جدة، 1/228.

التعليقات


الأقسام

أحدث المقالات

الأكثر مشاهدة

الوســوم

خدمات المركز

نبذة عنا

تؤمن شركة دراسة بأن التطوير هو أساس نجاح أي عمل؛ ولذلك استمرت شركة دراسة في التوسع من خلال افتتاح فروع أو عقد اتفاقيات تمثيل تجاري لتقديم خدماتها في غالبية الجامعات العربية؛ والعديد من الجامعات الأجنبية؛ وهو ما يجسد رغبتنا لنكون في المرتبة الأولى عالمياً.

اتصل بنا

فرع:  الرياض  00966555026526‬‬ - 555026526‬‬

فرع:  جدة  00966560972772 - 560972772

فرع:  كندا  +1 (438) 701-4408 - 7014408

شارك:

عضو فى

دفع آمن من خلال

Visa Mastercard Myfatoorah Mada